عاجل

في عام 1953 كتب الأديب السويسري ماكس فريش مسرحيته الشهيرة (السيد بيدرمن ومشعلو الحرائق)، مقدّمًا واحدة من أكثر الاستعارات السياسية عمقًا في الأدب الحديث؛ إذ يصوّر رجلًا يدرك أن ضيوفه ليسوا سوى مشعلي حرائق، ومع ذلك يمنحهم في النهاية علبة الكبريت ليحرقوا بيته والمدينة بأكملها.
مثلت المسرحية تشريحًا لحالة إنكار جماعي تدفع المجتمعات إلى التعاون -ولو بغير قصد - مع القوى التي ستدمرها، واليوم تبدو هذه الاستعارة أقرب ما تكون إلى تفسير ما جرى في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين.
في السنوات التي سبقت ما عُرف بثورات الربيع العربي، تبنت دوائر سياسية غربية فكرة تمكين تيارات الإسلام السياسي باعتبارها بديلًا محتملًا للأنظمة التقليدية في المنطقة.
كشف ما جرى لاحقًا أن هذا التقدير هو مقامرة خطيرة مع قوى أيديولوجية قامت بنيتها الفكرية على توظيف الدين في الصراع السياسي، وهكذا ظهر المشهد وكأن القوى الدولية لعبت دور  "السيد بيدرمن"، حينما فتحت المجال أمام جماعات تحمل في داخلها مشروعًا أصوليًا متطرفًا، فكان الثمن موجات من الفوضى والعنف التي لم تتوقف آثارها عند حدود المنطقة.
أخطر ما يشهده العالم في اللحظة الراهنة هو صعود قوى دينية مؤدلجة حوّلت الإيمان إلى أيديولوجيا سياسية توسعية، فأنتجت عقائد مغلقة تبرر العنف وتمنحه غطاءً مقدسًا.
ففي الشرق الأوسط تتجاور نماذج تبدو متعارضة في شعاراتها لكنها تتشابه في بنيتها الفكرية؛ فالنظام الذي نشأ بعد الثورة الإيرانية قدّم نموذجًا لدولة تُدار باسم العقيدة وتبني مشروعها الإقليمي على فكرة التمدد الطائفي، بينما ظهرت حركات الإسلام السياسي السني مثل جماعة الإخوان باعتبارها مشروعًا عابرًا للحدود يسعى إلى إقامة سلطة أيديولوجية عالمية.
يتجسد في المقابل في المشروع الصهيوني الذي قامت عليه دولة إسرائيل نموذج آخر لتوظيف الدين في بناء مشروع قومي توسعي يستند إلى تفسيرات دينية تاريخية.
رغم ما يبدو من صراع بين هذه المشاريع، فإنها تتشابه في الجوهر؛ إذ أن جميعها صنع نسخًا مزورة من الدين، ويحوّل الدين إلى أداة سلطة ويحوّل الصراع السياسي إلى مواجهة مقدسة، وهو ما جعل جزءًا كبيرًا من العنف المعاصر في المنطقة والعالم يصدر عنها؛ كونها ترى نفسها مفوضة دينيًا لإعادة تشكيل التاريخ.
لكن هذه الظاهرة لم تنشأ في فراغ؛ فالتاريخ الحديث يكشف أن القوى الدولية الكبرى تعاملت مع هذه التيارات باعتبارها أدوات في لعبة التوازنات الجيوسياسية؛ فمنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 بدعم غربي واسع، مرورًا بالتعامل الأمريكي مع النظام الإيراني بعد الثورة الإيرانية في إطار صراعات إقليمية معقدة، وصولًا إلى مراحل احتفاء بعض الدوائر الغربية بصعود جماعة الإخوان خلال موجة الاضطرابات التي عُرفت بالربيع العربي، بدا وكأن السياسة الدولية تتعامل مع هذه القوى باعتبارها أدوات يمكن توظيفها في إدارة الصراعات.
أثبتت التجربة أن الأيديولوجيات الدينية المتشددة لا يمكن احتواؤها أو توجيهها بسهولة، لأنها تقوم أساسًا على تصور عقائدي مطلق مزور يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
ومن هنا تبدو الصورة أقرب إلى الاستعارة التي صاغها الأديب السويسري ماكس فريش في مسرحيته السيد بيدرمن ومشعلو الحرائق؛ إذ يتصرف صاحب البيت كمن يعرف أن ضيوفه سيحرقون منزله، لكنه يمنحهم في النهاية علبة الكبريت؛ ففي المشهد الدولي الراهن تبدو الولايات المتحدة والقوى الكبرى أحيانًا في موقع "بيدرمن"، حينما تعاملت مع حركات أيديولوجية دينية باعتبارها أدوات ظرفية، بينما تحولت هذه الحركات نفسها إلى "مشعلي حرائق" ينشرون الفوضى والعنف عبر الإقليم والعالم.
هكذا لم يعد الحريق محصورًا في بيت واحد أو مدينة واحدة، إذ أصبح يهدد العمران البشري كله، لأن الأيديولوجيات التي تمنح العنف قداسة دينية لا تعرف حدودًا جغرافية ولا تقف عند حدود المصالح التي ظن صانعوها يومًا أنهم قادرون على ضبطها.
يكمن الخطر الحقيقي في تسييس المقدس وتحويله إلى أيديولوجيا مغلقة؛ فعندما تتحول الرسالة الدينية إلى مشروع سلطة، يفقد الدين جوهره الأخلاقي، ويصبح مجرد شعار في صراع بشري، لذا تتقاطع التجارب التاريخية التي شهدها العالم؛ فالأيديولوجيات التي تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، سواء كانت قومية أو دينية، تنتهي غالبًا إلى إنتاج العنف ذاته.
لقد جاءت الرسالات السماوية أساسًا لبناء إنسان حر مسؤول، لا لتأسيس إمبراطوريات دينية أو مشاريع هيمنة؛ فالقرآن الكريم -مثل سائر الرسالات الإلهية في جوهرها - يخاطب الإنسان كونه فردًا مسؤولًا عن اختياراته، ويربط نجاته بعمله الشخصي لا بانتمائه إلى جماعة أو مذهب، وحينما يُختزل الدين في مشروع سلطة، يدخل في مجال الصراع والمصلحة، ويتحول من قوة أخلاقية تهدي المجتمع إلى أداة تستخدمه.
تبدو إذن معركة الإصلاح الديني في عالمنا اليوم معركة فكرية وحضارية في المقام الأول؛ معركة تهدف إلى تحرير الإيمان من قبضة الأيديولوجيا، وإعادة الدين إلى مجاله الطبيعي كمرجعية أخلاقية تبني الإنسان ولا تستخدمه؛ فالمستقبل الآمن للبشرية يقوم على فهم إنساني للرسالات الإلهية يعيدها إلى وظيفتها الأصلية (هداية الإنسان إلى إنسانيته قبل أي شيء آخر).
ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه استعارة "بيدرمن" اليوم هو أن القوى الدولية التي تتجاهل طبيعة مشعلي الحرائق، أو تتوهم قدرتها على توظيفهم لخدمة مصالح مؤقتة، قد تكتشف في النهاية أنها لم تمنحهم سوى علبة الكبريت التي سيحرقون بها البيت بأكمله.

تم نسخ الرابط