في لحظة تاريخية شديدة التعقيد تمر بها منطقة الشرق الأوسط، تبدو مصر واحدة من الدول القليلة التي تحاول الحفاظ على خيط التوازن وسط صراعات متشابكة وتوترات متصاعدة. فالحرب الدائرة في المنطقة حاليا لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى أزمة إقليمية تحمل تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برز الدور المصري باعتباره أحد أهم عناصر الاستقرار في المنطقة فمصر لم تتعامل مع الأزمة من زاوية سياسية ضيقة أو حسابات آنية، بل من منظور استراتيجي يقوم على منع اتساع دائرة الصراع والحفاظ على استقرار الإقليم.
لا يمكن فهم الدور المصري في هذه الحرب دون إدراك طبيعة الموقع الجغرافي والسياسي الذي تتمتع به القاهرة فمصر هي الدولة العربية الوحيدة التي ترتبط بحدود مباشرة مع قطاع غزة عبر Rafah Border Crossing، وهو ما يجعلها طرفًا أساسيًا في إدارة الملف الإنساني المتعلق بالقطاع.
ومنذ اندلاع الحرب، لعبت مصر دورًا محوريًا في إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، وفتح قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية بهدف تخفيف معاناة المدنيين ومنع تفاقم الأزمة الإنسانية.
لكن الدور المصري لم يتوقف عند الجانب الإنساني فقط، بل امتد إلى الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف لعودة المسار السياسي.
السياسة الخارجية المصرية في هذه الأزمة تقوم على مبدأ واضح: منع التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة. ولذلك تحركت القاهرة عبر قنوات دبلوماسية متعددة، سواء من خلال التواصل مع القوى الدولية الكبرى أو عبر التنسيق مع الدول العربية.
وقد عُرفت مصر تاريخيًا بدورها كوسيط رئيسي في الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وهو دور يعكس ثقة الأطراف المختلفة في قدرتها على إدارة الحوار وطرح مبادرات واقعية لاحتواء الأزمات.
لا يمكن فصل الموقف المصري من الحرب عن اعتبارات الأمن القومي. فاستمرار الصراع أو اتساعه قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة، خاصة في ظل الأوضاع المتوترة في عدد من الدول المجاورة.
ومن هنا، فإن التحركات المصرية لا تستهدف فقط احتواء الأزمة الحالية، بل تسعى أيضًا إلى منع أي سيناريو قد يؤدي إلى تهديد استقرار الحدود أو زيادة موجات النزوح أو خلق بؤر توتر جديدة في المنطقة.
في عالم تتزايد فيه حدة الاستقطاب السياسي والعسكري، تصبح الدول القادرة على لعب دور التهدئة والحوار أكثر أهمية من أي وقت مضى. ومصر اليوم تحاول أن تؤدي هذا الدور، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحروب قد تغير موازين القوى مؤقتًا، لكنها لا تصنع سلامًا دائمًا.
فالتجارب التاريخية أثبتت أن الحلول العسكرية وحدها لا يمكن أن تنهي الصراعات الممتدة، وأن الطريق الحقيقي للاستقرار يمر عبر الحلول السياسية التي تعالج جذور الأزمات.
تبقى المنطقة اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد وفتح نافذة للحل السياسي، أو تنزلق المنطقة إلى دائرة أوسع من الصراع وفي الحالتين، سيظل الدور المصري عنصرًا أساسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، لأن مصر بحكم تاريخها وثقلها السياسي تدرك أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التوازن والحوار.
وفي النهاية، قد تختلف الحسابات السياسية بين الأطراف، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى دول قادرة على لعب دور الوسيط وصوت العقل… ومصر كانت وستظل في مقدمة هذه الدولتين