عاجل

محمود بسيوني رئيس تحرير أخبار اليوم يكتب: الموقف السياسى.. سياسة إطفاء الحرائق

في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع خرائط المصالح مع خطوط النار، تبرز لحظات يصبح فيها صوت الدولة العاقلة أثمن من ضجيج السلاح، وفي مثل هذه اللحظات، تعود القاهرة لتشغل موقعها التقليدي في هندسة التوازنات الإقليمية؛ لا باعتبارها مراقبًا بعيدًا عن المشهد، بل فاعلًا سياسيًا يمتلك القدرة على فتح قنوات الحوار حين تنغلق، وإعادة السياسة إلى موقعها الطبيعي حين تتقدم لغة القوة على حساب العقل، فالدور المصري في الإقليم لم يكن يومًا مجرد حضور دبلوماسي، بل كان على الدوام تعبيرًا عن فلسفة دولة ترى أن استقرار المنطقة جزء من أمنها القومي.


وفي هذا السياق، تبدو التحركات المصرية الراهنة في ظل التصعيد المرتبط بالحرب حول إيران امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج، فالقاهرة التي كانت في قلب الجهود الدولية والإقليمية لوقف الحرب في غزة وفتح مسارات التهدئة، تتحرك اليوم بالمنطق ذاته.. منطق الدولة التي تدرك أن الشرق الأوسط لا يحتمل حربًا إضافية ولا دوائر جديدة من الفوضى وصراعات الهيمنة.


تمتلك مصر رصيدا كبيرا من الثقة عند كل أطراف الأزمة وهذا الرصيد لم يتكون من فراغ، بل من سجل طويل من الوساطات والتحركات الدبلوماسية التي جعلت القاهرة طرفًا مقبولًا لدى الجميع حتى في أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، فالدولة التي حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى الإقليمية، وامتنعت عن الانزلاق إلى سياسات الاستقطاب الحاد، استطاعت أن تبني لنفسها صورة الوسيط القادر على الاستماع للجميع دون أن يفقد استقلال قراره.


ومن هنا يمكن فهم الحضور المصري المتواصل في جهود احتواء التصعيد، سواء في القضية الفلسطينية أو في الأزمة الإيرانية الراهنة.. فالقاهرة تتحرك وفق مقاربة سياسية ترى أن الحروب في الشرق الأوسط غير قابلة للحلول العسكرية فلا أحد يملك الحسم العسكرى وهى تدرك جيدا أن العودة إلى مائدة المفاوضات حتمية مهما علت أصوات التصعيد وهي مقاربة تستند إلى خبرة تاريخية عميقة، تعرف جيدًا أن الانتصارات العسكرية قد تغيّر موازين القوة مؤقتًا، لكنها لا تبني سلامًا دائمًا.


في هذا السياق جاء الاتصال الهاتفي الهام الذي تلقاه الرئيس عبد الفتاح السيسي من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وهو اتصال يحمل في طياته دلالات سياسية في وقت شديد الحساسية والصعوبة، فقد عكس هذا الاتصال إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن القاهرة تظل واحدة من القنوات القليلة القادرة على دفع مسار التهدئة وإعادة الاعتبار للحلول الدبلوماسية.


وخلال هذا الاتصال، كان الرئيس السيسي واضحا وحاسما في إدانة ما تقوم به إيران تجاه الأشقاء في الخليج، وأعرب عن إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق الشقيقة.. وهو موقف لا يندرج فقط في إطار التضامن العربي، بل يعكس أيضًا رؤية استراتيجية ترى أن توسيع رقعة الصراع في المنطقة سيقود إلى نتائج كارثية تطال الجميع بلا استثناء.


فالدول التي تعرضت لهذه الهجمات كما أكد الرئيس لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل كانت على العكس من ذلك جزءًا من الجهود الداعية إلى خفض التصعيد ودعم المفاوضات الإيرانية–الأمريكية، بحثًا عن مخرج دبلوماسي للأزمة، ومن هنا جاء التأكيد المصري على ضرورة إعلاء مبدأ حسن الجوار ووقف هذه الهجمات على وجه السرعة، باعتبار أن استمرارها لن يؤدي إلا إلى تعميق دائرة التوتر وإضعاف فرص الحل السياسي.


ولم يخفِ الموقف المصري قلقه العميق من التصعيد الراهن، إذ عبّر الرئيس السيسي عن أسف مصر البالغ لما تشهده المنطقة من توتر متصاعد، وعن قلقها من انعكاساته السلبية على استقرار الإقليم ومقدرات شعوبه، وهي عبارة تختصر رؤية القاهرة للمشهد الإقليمي بأكمله: فكل تصعيد جديد يضيف طبقة أخرى من الهشاشة إلى بنية إقليم يعاني أصلًا من اختلالات مزمنة.


ومع كل تصعيد كبير في الاقليم تتوجه كل الأطراف بالنظر إلى القاهرة باعتبارها العاصمة القادرة على إطفاء الحرائق، ولذلك لم تتوقف الجهود والاتصالات لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على أهمية التحلي بالمرونة السياسية من جميع الأطراف.


على الجانب الأخر يعكس اتصال الرئيس الإيراني تقديره لجهود مصر وللدور الذي يقوم به الرئيس السيسي في محاولة احتواء التصعيد، مؤكدًا مشاركة بلاده في جولات التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، وحرصها على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية. وهي إشارات تعكس إدراكًا إيرانيًا أيضًا لأهمية المسار الدبلوماسي في هذه اللحظة الحساسة.


يمثل الرئيس بزشكيان صوت العقل والحكمة في طهران وله تصريح سابق يعتذر فيه لدول الخليج عن الهجمات الإيرانية، ومن الواضح أنه يمثل الجانب الذى يسعى للتهدئة داخل النظام الإيرانى وهو ما يعطى اتصاله بالرئيس السيسي بعدا هاما في ظل وجود تحركات للتهدئة وقنوات تفاوض مفتوحة بين إيران من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر من أجل الوصول لصيغة مقبولة لوقف إطلاق النار
وخلال الاتصال كان الرئيس السيسي واضحا في إعلان استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد ممكن للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة، مع التشديد على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وكذلك احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.


إن الدور المصري في الأزمة الإيرانية لا يمكن فصله عن الفلسفة السياسية التي حكمت تحركات القاهرة في الإقليم طوال العقود الماضية: فلسفة تقوم على أن الأمن الإقليمي لا يُبنى على مراكمة الخصومات، بل على إدارة التوازنات الدقيقة بين القوى المختلفة. ولهذا ظلت مصر — حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا — تميل إلى السياسة باعتبارها فن منع الانفجار قبل أن يصبح احتوائه مستحيلًا.


من غزة إلى طهران، ومن ملفات التهدئة الفلسطينية إلى محاولات خفض التصعيد مع إيران، يتجلى الدور المصرى بأعتباره أحد الأعمدة القليلة المتبقية في بنية النظام الإقليمي العربي. فالدولة التي ترفض الانجرار إلى المغامرات العسكرية، وتتمسك بمنطق الحوار، وتصر على احترام قواعد القانون الدولي، إنما تؤدي دور العقل والحكمة في إقليم أستوطنته الاضطرابات والصرعات باختلاف أنواعها. في لحظات الفوضى الإقليمية، أصبحت القاهرة عنوان الاتزان وصوت العقل السياسي في منطقة اعتادت أن تتحرك فيها الأزمات بسرعة تفوق قدرة السياسة على اللحاق بها، تظل القاهرة تحاول بخبرة التاريخ — أن تبقي باب التهدئة مفتوحًا، وأن تذكر الجميع بأن السلام ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة وأن التهدئة ستكون في صالح الجميع لأنه لأ أحد رابح من المواجه العسكرية سواء طالت أو قصرت والخاسر المؤكد هو المواطن الذى يدفع فاتورة انعدام الأمن والتضخم وارتفاع أسعار الطاقة وكل الاجراءات الاقتصادية الصعبة المترتبة على استمرار أشتعال الأزمة، وفى ذلك يتساوى الجميع سواء في الولايات المتحدة أو الشرق الأوسط أو باقى مناطق العالم.

تم نسخ الرابط