عاجل

هل تُحسم بداية رمضان بالرؤية أم بالحساب الفلكي؟.. علي جمعة يوضح

هلال رمضان
هلال رمضان

أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، أن الجدل الذي يتجدد كل عام حول رؤية هلال رمضان والحساب الفلكي ليس أمرًا طارئًا، ولا يعكس خللًا في الشريعة الإسلامية، بل هو من المسائل التي وسع فيها الفقه الإسلامي، وتناولها العلماء بالبحث والدراسة قديمًا وحديثًا.

وأوضح أن بعض أهل العلم قالوا باختلاف المطالع، وهو مذهب معتبر عند الإمام الشافعي وغيره، ومعناه أن البلدان قد تختلف في رؤية الهلال، فيجوز أن تبدأ دولة الصيام قبل أخرى أو تفطر قبلها، بحسب ظهور الهلال لديها. وأضاف أن هذا الأمر لا يمثل إشكالًا في الفقه الإسلامي، لأن كثيرًا من المذاهب الفقهية لا ترى حرجًا في أن يصوم كل بلد وفق الرؤية التي تثبت لديه.

توحيد الرؤية بين المسلمين

وأشار إلى أن هناك رأيًا آخر لدى بعض العلماء يميل إلى توحيد الرؤية بين المسلمين، خاصة في العصر الحديث، ومن أبرز من كتب في ذلك الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه «توجيه الأنظار في اتحاد الرؤية في الصيام والإفطار».
ولفت إلى أن أصحاب هذا الاتجاه يرون أن العالم الإسلامي الممتد من غانا إلى فرغانا ومن طنجة إلى جاكرتا، أصبح اليوم أكثر ترابطًا بفعل التطور الكبير في وسائل الاتصال والمواصلات ووسائل الرصد، حتى صار العالم كأنه قرية واحدة يصل فيها خبر رؤية الهلال في لحظته.

وبين أن هذا التطور أسهم في تعزيز الدعوات لدى كثير من العلماء المعاصرين للسعي إلى جمع المسلمين على رؤية واحدة قدر الإمكان، أو على الأقل تقليل دائرة الاختلاف بينهم، خاصة مع تطور وسائل الرصد الحديثة. 
وأضاف أن رؤية الهلال لم تعد تقتصر على العين المجردة فقط، بل أصبحت تعتمد أيضًا على المناظير والتلسكوبات والوسائل البصرية الدقيقة، التي تُعرف أحيانًا بـ«العين المسلحة»، مقابل العين المجردة التي ترى دون استخدام أي وسيلة.

الحساب الفلكي

كما لفت إلى أن الحساب الفلكي، الذي كان محل خلاف بين العلماء قديمًا حول مدى الاعتداد به، أصبح اليوم حاضرًا بقوة في النقاشات الفقهية المعاصرة، خاصة بعد أن وصل إلى درجة عالية من الدقة. 
وأوضح أن عددًا من المؤتمرات العلمية والفقهية ناقشت هذه القضية وخرجت بضوابط عدة، من بينها جواز الاستعانة بالوسائل الحديثة في رؤية الهلال، والاستفادة من الحسابات الفلكية في ضبط المسألة، مع السعي إلى تقليل الاضطراب وجمع كلمة المسلمين ما أمكن.

وأكد أن القاعدة العملية الأهم لعامة الناس تبقى واضحة وبسيطة، وهي أن يصوم المسلم مع بلده ويفطر مع بلده، مشيرًا إلى أنه ليس مطلوبًا من كل مسلم أن يدخل في جدل فقهي أو فلكي كل عام، أو أن تتحول هذه المسألة إلى ساحة للنزاع والاختلاف، بل المقصود أن يلتزم المسلم جماعة بلده حتى تبقى العبادة سببًا للاجتماع لا سببًا للفرقة.

وتطرق إلى مسألة السفر بين البلدان، موضحًا أنه إذا بدأ الإنسان الصيام في بلد ثم انتقل إلى بلد آخر يختلف في بداية الشهر أو نهايته، فإنه يصوم ويفطر مع البلد الذي يقيم فيه، فإذا ترتب على ذلك أن يكون مجموع ما صامه واحدًا وثلاثين يومًا فلا حرج عليه، لأنه تابع البلد الذي نزل فيه، أما إذا بلغ مجموع ما صامه ثمانية وعشرين يومًا فإنه يفطر مع البلد الذي هو فيه، ثم يقضي يومًا بعد العيد لأن الشهر القمري لا يكون أقل من تسعة وعشرين يومًا.

كما نبه إلى مسألة يوم الشك، وهو اليوم الذي لم يثبت فيه دخول شهر رمضان، ومع ذلك يرغب بعض الناس في صيامه احتياطًا، مؤكدًا أن الشريعة نهت عن ذلك، لأن الدين الإسلامي قائم على اليسر ورفع الحرج، وليس على التشدد والوسوسة.

رمضان هو شهر عبادة ووحدة ورحمة

وشدد على أن مسألة رؤية الهلال والحساب الفلكي تبقى مسألة فقهية اجتهادية لا ينبغي أن تتحول إلى باب للتشاحن أو تبادل الاتهامات بين الناس، موضحًا أن فيها آراء معتبرة عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، والمقصود منها في النهاية تنظيم أمر الناس واجتماع كلمتهم وعبادتهم لله على بصيرة وطمأنينة.

واختتم بالتأكيد على أن شهر رمضان هو شهر عبادة ووحدة ورحمة، وليس موسمًا للخصومات، فإذا اختلفت الاجتهادات فلا ينبغي أن تختلف القلوب.
 

تم نسخ الرابط