حالة من التوتر الجيوسياسي غير المسبوقة تشهدها المنطقة العربية والعالم أجمع، خاصة مع تصاعد الأحداث والتصعيد العسكري المباشر وغير المباشر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وفي خضم هذا الزلزال السياسي والعسكري، تبرز دائما التساؤلات حول الأثر الاقتصادي لتلك الصراعات، ومدى قدرة الدول على حماية مواطنيها من تداعياتها المباشرة، لا سيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي وأمن الطاقة، ومن هنا، تأتي الإجراءات الاستباقية والمحترفة التي اتخذتها الدولة المصرية خلال الفترة الأخيرة، لتأمين احتياجات السوق من السلع الأساسية وضمان استمرار إمدادات الغاز والكهرباء، لتعكس نموذجا رائدا في إدارة الأزمات الاقتصادية في ظل التحديات الإقليمية الراهنة.
من منظور العلوم السياسية، تعد "قدرة الدولة" على الحفاظ على استقرارها الداخلي أثناء العواصف الخارجية، المعيار الأهم لقياس قوتها وسيادتها، فالصراعات الإقليمية لا تقتصر تداعياتها على الجبهات العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل سلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة، وأسعار المواد الخام، ومصر، بحكم موقعها الجيواستراتيجي وكونها ممرا حيويا للتجارة العالمية عبر قناة السويس، تكون دائمًا في قلب الحدث، وأكثر عرضة للتأثر بالاضطرابات اللوجستية والاقتصادية الناتجة عن التوترات في الخليج أو شرق المتوسط.
وفي هذا السياق، تظهر حكمة القيادة السياسية في تبني نهج "الأمن الشامل"، الذي لا ينفصل فيه الأمن العسكري عن الأمن الاقتصادي والغذائي، فقد تحركت الأجهزة المعنية بالدولة، وعلى رأسها وزارتي التموين والتجارة الداخلية، والبترول والثروة المعدنية، والكهرباء والطاقة المتجددة، بسرعة فائقة لتفعيل خطط الطوارئ، وعلى صعيد السلع الأساسية، لم تنتظر الدولة حدوث نقص فعلي في الأسواق، بل عملت على تعزيز المخزون الاستراتيجي من القمح، والزيت، والسكر، والسلع المعمرة الأخرى في إجراء يحمل رسالة طمأنة للمواطن المصري، وتوجيه ضربة استباقية لأي محاولة لاستغلال الأزمة في التلاعب بالأسعار أو احتكار السلع.
إن الحفاظ على استقرار أسعار السلع الأساسية في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات حادة، يعكس كفاءة عالية في "إدارة سلسلة التوريد" على المستوى القومي و نجحت الدولة في تنويع مصادر الاستيراد، وتفعيل دور المجمعات الاستهلاكية مما وفر بديلا آمنا للمواطن يحمي دخله من موجات الغلاء المحتملة وساهمت هذا الإجراءات في تقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد، وهو مبدأ استراتيجي معروف في أدبيات إدارة المخاطر والأزمات.
وعلى صعيد آخر، ربما يكون أكثر حساسية، يأتي ملف الطاقة. فالتصعيد العسكري في المنطقة يهدد دائما خطوط إمداد الغاز، واستقرار شبكات الكهرباء إلا أن الدولة المصرية نجحت في الحفاظ على استقرار شبكة الكهرباء وضمان تدفق الغاز للمنازل والمنشآت الصناعية دون انقطاع، و هذا الإنجاز يتطلب جهدا هندسيا وإداريا ضخما، يشمل الصيانة الدورية للشبكات، وتأمين محطات الإنتاج، وتنويع مصادر توليد الطاقة بين الغاز الطبيعي، والطاقة المتجددة، والفحم، و استمرار عجلة الإنتاج الصناعي دون توقف بسبب انقطاع الطاقة، يعني الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي، وحماية فرص العمل، وهو ما يعزز من مناعة الاقتصاد الوطني.
إن ما نشهده حاليًا من استقرار في الأسواق المصرية، رغم الضغوط الإقليمية، ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد، وإدارة محترفة للموارد، إنه تجسيد عملي لمفهوم "المرونة الوطنية" الذي يعني قدرة المجتمع والنظام السياسي على امتصاص الصدمات الخارجية والعودة إلى حالة التوازن بسرعة.
إن الإجراءات التي اتخذتها الدولة المصرية لتأمين السلع والطاقة، تمثل خط دفاع أول عن الأمن القومي المصري فهي تحمي المواطن من القلق المعيشي، مما يمكنه من التركيز على العمل والإنتاج، وتحمي الدولة من الاضطرابات الاجتماعية التي قد تنتج عن الشح الاقتصادي، و هذا النموذج في إدارة الأزمات يستحق الدراسة والتحليل، ليس فقط كإنجاز محلي، بل كدرس إقليمي في كيفية بقاء الدول قوية ومستقرة في أوقات الاضطراب العالمي، والواجب الوطني الآن يقتضي من الجميع، شعبا ودولة، التكاتف لدعم هذا الجهد، والحفاظ على مكتسبات الاستقرار، لأن الاستقرار في زمن الفوضى الإقليمية هو أغلى ما تملكه الأمم.