عاجل

هذه حرب جديدة؛ حرب ضمن حروبٍ مضت وحروبٍ آتية. لا تبحث عن الأسباب والذرائع، فمع كل حرب يخترع المعتدي ألف سبب، ليس بينها سببٌ حقيقي. في إسرائيل أراد نتنياهو الإفلات من ملاحقات المحاكم، وفي أمريكا أراد ترامب أن يختبئ من حصار الفضائح. الأسباب الخفية أكثر من المعلنة، لكن الكيان الصهيوني يرى أن الحرب وقود البقاء.

ثمانية وسبعون عاماً مرت على إعلان التنظيم الصهيوني قيام دولته في فلسطين. ثمانية وسبعون عاماً وتلك الدولة في حالة حرب، وفي كل مرة ترى أن حربها حرب وجود. تحارب إسرائيل وكأن الحرب هي الحياة، أو هي الوسيلة الوحيدة للبقاء. وفي خمسينيات القرن الماضي قال بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل: «لقد أوجدنا إنساناً جديداً، هو اليهودي المقاتل»، رابطاً بين المعتقد والقتال، وكأنه يقول: لا يمكنك أن تكون يهودياً من دون أن تكون مقاتلاً.

وهذا يتماشى مع ما طرحته الصهيونية مع بداية تأسيسها، من أن اليهود عاشوا ثلاثة آلاف سنة وفق نهج «يعقوب» السلمي، وفي المقابل نالهم الاضطهاد، وينبغي أن يتغير ذلك ونتحول إلى نهج «شمعون ولاوي». وحيث إن شمعون ولاوي قاما بأول عملية إبادة جماعية في شكيم (نابلس) وفقاً لسفر التكوين، فقد تحدث أحد الضباط الإسرائيليين عن هذه القصة في بدايات الحرب على غزة قائلاً: «فعلنا في بيت حانون ما فعله شمعون ولاوي في نابلس.. شمعون ولاوي فهما الشرق الأوسط قبل ثلاثة آلاف سنة.. وعلى الدول المحيطة بنا أن تخاف…». هكذا يرى قادة إسرائيل أن الحرب لغة الحياة اليومية.

ولو لم تكن الحروب موجودة لكانت إسرائيل صاحبة اختراعها. ولو لم تجد عدواً لسعت إلى إيجاده. فعلى الحرب تعيش، وبالحرب تبقى، ومن الحرب تتكسب.

كثيرة هي الأسباب التي تجعل إسرائيل في حالة حرب دائمة:

أولاً: الشعور الدائم بالخطر نتيجة اغتصاب أرضٍ وظلم شعب.
ثانياً: جيشها هو شعبها، لذلك فالحروب مناورات للبقاء.
ثالثاً: مواطنوها جاءوا من بيئات متباينة وثقافات متعارضة، والاختلافات بينهم عميقة، والحروب خير رابط بينهم. وإذا بقوا في حالة عدم اشتباك مع عدو سيشتبكون مع بعضهم البعض.
رابعاً: الرغبة التوسعية المرتبطة بتأويلات دينية عن «أرض إسرائيل الكبرى»، والتي لا تتأتى إلا بإضعاف الآخرين " الأغيار "، ثم السيطرة عليهم.
خامساً: تبيع إسرائيل أسلحة وبرامج تجسس بمليارات الدولارات بعد كل حرب، لذلك لم يتأثر اقتصادها كثيراً رغم دخولها في حروب لأكثر من عامين، بصورة متواصلة.
سادساً: الحروب تجلب لإسرائيل الكثير من الدعم الأمريكي والأوروبي، وتجعل هذه العلاقة الانتهازية باقية ومتطورة مع كل حرب.
سابعاً: تختبر إسرائيل أسلحة جديدة لم تُستخدم من قبل، فتُعدّ الحرب وسيلة تسويق عملية وواقعية لأسلحتها.
ثامناً: إبقاء المقاتلين في حالة استعداد دائم، فالأعداء – في تصورها – في كل مكان، ولا يوجد ميدان لتدريب المقاتلين خير من ميدان الحرب، حيث يجرب المقاتل أقصى درجات الضغط ويعتاد القتل والتدمير.
تاسعاً: الحرب أفضل وسيلة لاستمرار الجاهزية؛ لأنها تستدعي غالبية الجيش من الاحتياط، الذي لا ينبغي أن يغيب عن التدريب فترة طويلة.
عاشراً: الحفاظ على بقاء حالة الردع في أعلى درجاتها، حتى لا تُفرض عليها حروب. والحرب الوحيدة التي فُرضت عليها كانت حرب أكتوبر 1973، ولذلك هُزمت فيها. فالحرب – في نظرها – وسيلة ردع ناجعة، وعلى الجميع أن يخاف قبل أن يفكر.

لذلك تبادر إلى الحروب، وإن لم تجد الحجج الكافية اخترعتها. ويمكنك أن تتخيل أن من أسباب الحرب الدائرة الآن تمهيد نتنياهو للانتخابات المقبلة؛ إذ يريد أن يدخلها بطلاً منتصراً، ومجتمعه يميل إلى تمجيد من ارتكب أكبر عدد من المجازر. فأبطال الصهيونية ارتبطت أسماؤهم بالقتل والإبادة والتدمير ، لذا ليس غريباً أن يحكم إسرائيل متهم بجرائم حرب، وليس غريباً أن تخترع إسرائيل طوال الوقت ذرائع لشن الحروب.

تم نسخ الرابط