مع أول أيام عشر المغفرة في شهر رمضان تتواصل رحلة أيقونات رمضانية مع القارئ الشيخ الشحات أنور؛ فليس فقط لكونه أمير للنغم كما يحبذ البعض أن يلقبه بل لكثرة ما اعتد سماع صوته في أيام الرحمة التي انقضت بالأمس.
عهدت صوت الشيخ الشحات أنور الذي ينتمي إلى محافظتنا في شمال مصر حيث الدقهلية التي أنجبت من قبله إمام الدعاة الشيخ الشعراوي، ومهما يكن من مقارنات ومقاربات كان لصوته وهو يرتل من آيات سورة غافر حيث قوله تعالى: «رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)»، أثرها العميق.
وقفت لبرهة أمام الروح تلك الكلمة التي لا تزال في مخيلتي لغزًا لم يبح بأسراره بعد، فهي في مواضع عدة من القرآن تظل المفردة الوحيدة التي لم تستطع لغة العرب أو معاجمها أن تحصرها في معنى أو تكشف عن مرادها.
ورغم أنه مع تخصص المتخصصين وإنشاء المجامع اللغوية تلو الأخرى وكثرة كتب التفسير إلا أن الروح في الكتاب الخاتم ملكوت خاص بعالمها متفردة في مكنونها، تستعصي على كبار الفلاسفة ويحتار في تأويلها العلماء والعباد.
غلبني البحث وأنا أغوص في المعاجم وكتب التفسير التي وقعت أيضا في تلك الحيرة فكانوا بين أنها تعني الوحي والنبوة، وتارة أنها القرآن وثالثة أنها جبريل عليها السلام، إلى غيرها من المعاني التي تظل عاجزة وستظل أمام قدرة الخالق جل وعلا الذي أخبر نبيه بالقول: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
وأيًا ما يكون في أمر الروح الواردة في القرآن إلا أن لروحي مواقفها مع روح الشيخ الشحات أنور أمورًا وشؤون تجعلني أتعجب من قدرته على سلب الأرواح في حضرته كأنه «ملك الموت» كلف بأن يخلعها من مكانها ليضعها في عالمها الخاص بعيدًا عن الأبدان البالية الفانية.
«خشوع وصفاء» ربما أعهده باختلاف يسير بين الشيخ الشحات أنور وبين الشيخ عبدالباسط عبدالصمد في تلاوتهما لسورة غافر إلا أنه كان لسماعي للآيتين السالفتين وقعهما من الشيخ الشحات جعلني أتساءل عما إن كانت الموهبة التي انطلق بها إلى دولة التلاوة مكنونها في عالم الأوراح لا المادة أم أن في يقيني أني لم أنصت إليها بالشكل الكافي وأن استمع لأي من أصوات سابقيه.
غلبني السؤال مع جدي وأنا أخبره بقصة عشقي للشيخ الشحات وأنا أستمع إليه في هاتين الآيتين ولا أدري سببًا لأن يكون تراثه عندي في آياتي سورة غافر، لكن الأوقع في جواب جدي أن الروح تغلب في عالمها المحبة ويطغى في كونها الصفاء ويسمو فيها السكينة، فرحم الله أمير النغم وجمعني به في عالم لا يغلبه الأحقاد.