عاجل

لم تعد معركة القيادة في أفريقيا تدور فقط داخل حدود الدول، بل انتقلت إلى المستوى القاري حيث أصبح السؤال الحقيقي: من يقود أفريقيا في زمن التحولات العالمية الكبرى؟ فداخل أروقة الاتحاد الأفريقي تدور واحدة من أكثر المعارك السياسية هدوءًا وخطورة في آن واحد، معركة لا تُخاض بالدبابات أو الانقلابات، بل بالتوازنات الإقليمية والتحالفات الاقتصادية وصراع النفوذ بين الدول الكبرى في القارة.
الاتحاد الأفريقي الذي تأسس عام 2002 ليكون وريثًا لمنظمة الوحدة الأفريقية يمثل اليوم تكتلًا يضم 55 دولة ويغطي سوقًا بشرية تتجاوز 1.4 مليار نسمة وناتجًا اقتصاديًا يقارب 3 تريليونات دولار. ورغم هذه الأرقام الضخمة، ظل السؤال المزمن مطروحًا: هل الاتحاد الأفريقي مؤسسة قادرة على صناعة القرار أم مجرد منصة دبلوماسية لإدارة الخلافات؟
الكواليس تكشف أن معركة القيادة داخل المنظمة لم تعد بروتوكولية كما كانت في السابق. اختيار رئيس المفوضية أو رئاسة الاتحاد السنوية أصبح انعكاسًا مباشرًا لصراع مناطق النفوذ داخل القارة بين شرق أفريقيا وغربها وجنوبها وشمالها. فالدول الكبرى تسعى لضمان تمثيلها في مواقع القرار القاري لأنها تدرك أن قيادة الاتحاد تعني التأثير في ملفات حساسة تشمل الوساطات السياسية، وإدارة الأزمات، وتوجيه التمويل التنموي، وحتى تحديد أولويات الشراكات الدولية.
خلال السنوات الأخيرة، برزت تحالفات جديدة داخل القارة. شرق أفريقيا بات أكثر حضورًا سياسيًا بفضل نمو اقتصادي متسارع وتزايد دور دول القرن الأفريقي في الأمن البحري والتجارة الدولية، بينما تحاول دول غرب أفريقيا استعادة ثقلها التاريخي رغم موجة الانقلابات العسكرية التي هزت المنطقة. في المقابل، تحافظ جنوب أفريقيا على نفوذ تقليدي داخل المؤسسات القارية باعتبارها أحد أكبر اقتصادات القارة وصاحبة ثقل دبلوماسي ممتد منذ نهاية نظام الفصل العنصري.
أما مصر فقد عززت حضورها القاري خلال السنوات الأخيرة عبر الانخراط في ملفات الأمن الإقليمي ومشروعات البنية التحتية والربط القاري، وهو ما أعاد لشمال أفريقيا دورًا كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره بعيدًا عن مركز القرار الأفريقي. هذا التوازن الجديد خلق حالة تنافس غير معلنة بين أقاليم القارة الأربعة حول من يحدد أجندة أفريقيا السياسية والاقتصادية.
الأرقام توضح عمق المعركة. الاتحاد الأفريقي يعتمد في نحو 60% من ميزانيته التشغيلية على تمويلات وشراكات خارجية، وهو ما يجعل منصب القيادة القارية حساسًا للغاية، لأن من يقود المؤسسة يمتلك قدرة كبيرة على توجيه أولويات الشراكات الدولية مع قوى مثل الاتحاد الأوروبي والصين والولايات المتحدة. لهذا السبب لم يعد انتخاب قيادات الاتحاد مسألة إدارية، بل معركة نفوذ دولي تُدار عبر العواصم الأفريقية قبل أن تُحسم داخل قاعات أديس أبابا.
الكواليس السياسية تشير أيضًا إلى تحول مهم: الدول الأفريقية لم تعد تبحث فقط عن قائد رمزي للقارة، بل عن قيادة قادرة على التعامل مع أزمات متشابكة تشمل الانقلابات العسكرية، وتصاعد الإرهاب في الساحل، وأزمات الديون، والتغير المناخي، والهجرة الجماعية. ومع تزايد الأزمات، ارتفعت التوقعات من الاتحاد الأفريقي ليصبح مؤسسة تنفيذية حقيقية قادرة على التدخل السريع وليس مجرد وسيط دبلوماسي.
التحدي الأكبر يتمثل في فجوة القوة بين الطموحات والقدرات. فالقوة العسكرية المشتركة الأفريقية ما زالت محدودة التمويل والتجهيز، بينما تعتمد معظم عمليات حفظ السلام على دعم خارجي. كما أن الانقسامات السياسية بين الحكومات المدنية والعسكرية داخل القارة تجعل اتخاذ قرارات موحدة أمرًا بالغ التعقيد. هذه التناقضات تخلق واقعًا جديدًا: الاتحاد الأفريقي مطالب بقيادة قارة شديدة التنوع في وقت لم يكتمل فيه بعد مشروع الوحدة السياسية الأفريقية.
ورغم ذلك، فإن معركة القيادة الحالية تحمل دلالة أعمق. أفريقيا لم تعد موضوعًا للسياسات الدولية بل صانعة لها، ومع ازدياد الاهتمام العالمي بالموارد الأفريقية وممرات التجارة والطاقة، أصبح منصب القيادة القارية أقرب إلى موقع استراتيجي عالمي منه إلى وظيفة إدارية إقليمية. من يقود الاتحاد الأفريقي اليوم لا يدير مؤسسة فقط، بل يحدد موقع القارة في النظام الدولي القادم.
هكذا تبدو أفريقيا أمام لحظة تاريخية فارقة. فبين طموح بناء قوة قارية موحدة وضغوط المصالح الوطنية الضيقة، تدور معركة صامتة على مستقبل القيادة الأفريقية. وإذا نجح الاتحاد الأفريقي في تجاوز انقساماته وتعزيز استقلال قراره، فقد تتحول القارة لأول مرة من ساحة تنافس دولي إلى قطب عالمي مستقل. أما إذا استمرت الصراعات الداخلية، فستظل أفريقيا ساحة يُتفق على مستقبلها خارج حدودها، بينما تستمر معركة العروش داخل القارة بلا حسم واضح.

تم نسخ الرابط