حين تولّت الدكتورة سحر نصر مسؤولية التطوير المؤسسي داخل بيت الزكاة والصدقات، لم يكن التحدي مجرد إدارة مؤسسة خيرية، بل إعادة بناء منظومة كاملة لتعمل وفق أسس حديثة من الحوكمة والانضباط والكفاءة. ومنذ اللحظة الأولى، كان المسار واضحًا: تأسيس نموذج مؤسسي يجمع بين صرامة الإدارة وروح الرسالة الإنسانية.
البداية جاءت من البنية التحتية؛ حيث جرى إنشاء مقر إداري متكامل يواكب حجم التوسع في الخدمات والبرامج. لم يكن الأمر مجرد انتقال إلى مبنى جديد، بل تأسيس بيئة عمل احترافية تضم إدارات متخصصة، ونظم أرشفة حديثة، وآليات متابعة دقيقة تضمن سرعة دراسة الحالات وإنجازها بكفاءة. هذا التطوير البنيوي انعكس مباشرة على جودة الخدمة، وسرعة الاستجابة، وتنظيم العمل بما يتناسب مع مؤسسة تتعامل مع ملايين المستفيدين.
تزامن ذلك مع إعادة هيكلة إدارية شاملة، تقوم على تحديد واضح للاختصاصات، وتفعيل نظم رقابة داخلية صارمة، وترسيخ قواعد شفافة للصرف والمتابعة. العمل داخل البيت لم يعد قائمًا على الاجتهاد الفردي، بل على منظومة مؤسسية متكاملة، وهو ما عزز ثقة المتبرعين والمستفيدين على حد سواء. وقد جاء هذا التحول بدعم مباشر من فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، الذي منح ثقته للدكتورة سحر نصر كمستشارة للتطوير المؤسسي ثم أمينًا عامًا، في سابقة عكست إيمان الأزهر بأهمية الإدارة الحديثة في خدمة العمل الإنساني.
وعلى مستوى البرامج، شهدت مظلة الحماية الاجتماعية توسعًا غير مسبوق؛ إذ استفاد نحو 5 ملايين من الأمهات المعيلات والأرامل والمطلقات من برامج الدعم النقدي، إلى جانب كفالة ما يقرب من 400 ألف يتيم ضمن برنامج متكامل لا يقتصر على الإعانة المالية فحسب، بل يمتد إلى الرعاية التعليمية والاجتماعية. كما تم دعم 20 ألف فتاة يتيمة غير قادرة عبر برنامج تيسير الزواج، بما يشمل الأجهزة الكهربائية ومستلزمات التأثيث، فضلًا عن ترميم وإعادة بناء منازل لنحو 7 آلاف أسرة ضمن برنامج الإسكان والبنية التحتية.
وفي قطاع التعليم، جرى دعم 216 ألف طالب وطالبة من غير القادرين والمتفوقين، إضافة إلى 7 آلاف من ذوي الهمم، بينما استفاد أكثر من 10 ملايين من برامج الإطعام السنوية، خاصة في المواسم الدينية. أما في مجال الرعاية الصحية، فقد حصل نحو 80 ألف مريض على دعم طبي شمل الأدوية، والأطراف الصناعية، والعمليات الجراحية الحرجة في مختلف التخصصات، وفق آلية تقوم على دراسة دقيقة للحالات وضمان العدالة في التوزيع دون وساطة أو محاباة.
ولم يقتصر دور البيت على الداخل، بل امتدت مساعداته إلى عدد من الدول الشقيقة، من بينها ليبيا وسوريا ولبنان والسودان وتشاد، فيما جاءت حملة «أغيثوا غزة» لتجسد هذا البعد الإقليمي، عبر إطلاق 14 قافلة تحمل أكثر من 25 ألف طن من المساعدات العاجلة. بهذا الاتساع، تحوّل بيت الزكاة والصدقات إلى أحد أدوات القوة الناعمة التي تعكس صورة مصر الداعمة لأشقائها في أوقات الأزمات.
وفي المشهد الرمضاني السنوي داخل الجامع الأزهر، تتجسد صورة إنسانية أخرى، حيث يجتمع الطلاب الوافدون من مختلف الجنسيات مع المصريين المغتربين وعابري السبيل على مائدة واحدة، للعام الثاني على التوالي في رسالة تتجاوز تقديم الطعام إلى ترسيخ قيم الاحتضان والكرم والاحترام.
إن تجربة سحر نصر في بيت الزكاة والصدقات تقدم نموذجًا واضحًا لكيف يمكن أن تلتقي الحوكمة بالإنسانية، وأن يتحول العمل الخيري من مبادرات متفرقة إلى منظومة تنموية متكاملة. فحين تقترن الرؤية بالإدارة الرشيدة، يصبح الأثر أعمق من الأرقام، وتصبح القيادة فعلًا ملهمًا يُقاس بنتائجه في حياة الناس.