في تاسع أيام شهر رمضان 1477 هجريا يتجدد لقاء أيقونات رمضانية مع القارئ الشيخ والنقيب الراحل للقراء الشيخ محمد محمود الطبلاوي.
«الطبلاوي» بما امتلكه من حنجرة ذهبية جعلته ملكًا بين القراء المتأخرين وآخر حبة من سبحتهم التي يهرول الناس إلى التسبيح عليها بالانصات لتلاواتهم والأنس بها بعد رحيلهم، فجسد لهم «الطبلاوي» بصوته الماضي والحاضر، وصدق فيه جملة من الألقاب: «عميد دولة التلاوة، نقيب القراء المصريين، سلطان التلاوة، ظاهرة العصر، وآخر حبة في سبحة عباقرة التلاوة».
بدأت رحلتي مع القارئ الراحل في الانصات بنهم وعشق لقوله تعالى: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ•وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر»، كانت بالنسبة لي من أعظم ما قرأ بدأت أرددها خلفه بعناية حتى وهبني الله تعالى من عظيمه فضله أن أقلد صوته بل وأن تكون مفتاحًا لأن أتلو ما تيسر من القرآن الكريم بصوت الطبلاوي وكأني هو. سرعان ما كانت لخواتيم سورة القمر وبدايات سورة الرحمن أنيسي ورفيقي حتى كان لقاؤنا الأول بعد انتقالي للعمل في المجال الصحفي.
كان اللقاء أشبه ما يكون بدرويش في حضرة شيخه، تلميذ في حضرة أستاذه، مُلهم في حضرة قائده، تسابقت لإجراء حوارٍ معه إلا أن الأقدار لم تتح أن يكون الاجتماع بيننا سانحًا لحديث القلوب والأبدان، لكن ما هون علي رحيله أن الصوت لم يكن ليفارقني وأنا اتصل وآنس به بين الحين والآخر نقيبًا للقراء، شرفني بأن يسجل رقمي ويجيني وإن حاوطته الأشغال.
شكل لي رمضان في صغري تلاوات مجودة لشيخي «الطبلاوي» الذي لم أكن أعلم وقتها أنه يسمى محمد أيضا لكثرة ما يردد على مسامعي من اسم «الطبلاوي»، تسابقت في اقتناء شرائطه من حفلات ونوادر ولم يكون في مخيلتي وقتها أن يكون الرجل حيًا بيننا، كان لعبق صوته وهو يردد «فهل من مدكر» أو حينما صور مشهد فرعون وهو يتساءل عن ملكه لمصر قائلًا: «وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ» ما دفعني للبحث والتسابق في معرفة حقيقة لطالما آمنت أننا نحيا في تدليس عنها، وتسابقت خطواتي حتى أتممت بحثي ويقيني أن فرعون لم يكن مصريًا وأن حضارتنا ليست كما يشاع على دعائم من الكفر.
لم أكن لأفلت للشيخ خاتمة من قراءته وإن لم أستمع إليها كاملة، وتمنيت لو كانت التلاوة كلها بمثل ما ختم، ولم تغب عني تلاوة نادرة أو بين العصر على إذاعة القرآن الكريم أو قبيل إفطار المغرب.
ومع رحيله لم يصدق قلمي وأنا أكتب عنه بعد سلسلة من شائعات الرحيل كنت أتسابق في الاتصال للاطمئنان عليه باتصال ربما يكون مزعجًا ومؤلمًا أن تخاطب من تحب بقولك وأنت تبادره من فضلك أحتاج أتأكد هل توفي الشيخ الطبلاوي؟
كانت كلماتي وأنا أذكرها يومًا بين مقابر السيدة نفيسة حينما كلفت قبل 4 أشهر من رحيله مع مطلع شهر يناير لعام 2020 وأنا أرتجف وهو يبادرني: «أنا بخير يا محمد متقلقش»، فتنهدت وأجبته: «الحمد لله يا مولانا لو ممكن نعمل الحوار بقى، ليجيب وقتها يا حبيبي تعالى عندنا المنوفية خد واجبك وأعمل الحوار اللي أنت عايزه»، ورغم السنوات التي تقترب من عامها السادس للرحيل؛ لاتزال كلماته عالقة وحواري معه وإن لامني البعض أن اتصل به وأسأله عن وفاته كحوارٍ مؤلمٍ تظل الأقرب إلى قلبي مع الصوت الذي هز القلوب.. فرحم الله من كنت أعشقه صغيرًا وأكرمني الله بقربه كبيرًا.