عاجل

محمود بسيوني يتساءل: هل تفقد الدول سيادتها أمام الذكاء الاصطناعي؟

محمود بسويي
محمود بسويي

نحن أمام لحظة فارقة في تاريخ الدولة الحديثة، لحظة لا تُقاس بحدود جغرافية أو توازنات عسكرية تقليدية، بل بخوارزميات وبيانات وأنظمة ذكاء اصطناعي تتجاوز الحدود وتعيد تعريف مفهوم السيادة ذاته.

وتساءل الكاتب الصحفي محمود بسيوني، رئيس تحرير أخبار اليوم ماذا قد يحدث إن لم نُحكم السيطرة؟

أضاف، يتساءل العالم في حيرة وهو يتابع التطور المتسارع، ولا أبالغ إذا قلت المخيف، للذكاء الاصطناعي؛ قوة صاعدة، مذهلة، مبهرة، لكنها محاطة بهالة من الغموض تثير القلق والتوجس.

وقال نحن أمام ثورة علمية لا تُعيد تشكيل القدرات التكنولوجية فحسب، بل وهو الأخطر تُعيد تعريف معنى الدولة، وحدود السيادة، ومفهوم الشرعية، بل وطبيعة الإدراك الإنساني ذاته.

استكمل يعترف الحائز على جائزة نوبل جيفري هينتون، والذي تطلق عليه أوساط عديدة لقب "عراب الذكاء الاصطناعي"، أنه في وقت ما خلال السنوات الخمس إلى العشرين القادمة، ستُصنع أنظمة ذكاء اصطناعي أذكى من البشر، وربما ستصبح أذكى بكثير منهم، ونحن لا نفهم تمامًا كيف تصل هذه النماذج إلى قراراتها، فالعلم أسرع من الفهم.

أشار إلى أن هذا الاعتراف ينبئ عن خطر متصاعد مع زيادة الاعتماد على هذه الأنظمة وتطورها وخروجها عن السيطرة، والأخطر وقوعها في أيدي تنظيمات إرهابية تسعى للتدمير والسيطرة.

وقال إن السباق المحموم نحو الذكاء الاصطناعي الشامل تقوده شركات عابرة للحدود، بينما التنظيم يسير بخطى أبطأ، حتى إن سام ألتمان، رئيس شركة OpenAI، مالكة البرنامج الأشهر ChatGPT، أقر بضرورة وضع أطر تنظيمية عالمية، لكن الواقع يكشف فجوة واضحة بين الابتكار والتنظيم، وعبر هذه الفجوة تتسلل المخاطر على الدول، مثل ظهور حملات التضليل مدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق القادر على تقويض الثقة العامة في الدولة واستهداف مؤسساتها الحيوية بخوارزميات خبيثة. والحديث هنا ليس عن دولة بعينها، ولكن خطر تتشارك فيه كل الدول، وذلك التنظيم دور أصيل للأمم المتحدة، لكنها تتحرك فيه ببطء شديد ووهن أشد.

على الجانب الآخر بدأت تظهر شركات عسكرية على تطوير أنظمة قتالية ذاتية بالذكاء الاصطناعي تعزز الردع وتقلل الخسائر البشرية، وهو أمر لا غبار عليه، لكن هل يمكن الثقة في تأمين آلة صماء بلا عقل إذا ما تم اختراق أنظمتها وتضليلها ببيانات مزيفة؟ وهل هناك ما يضمن أن لا نرى سيناريو فيلم هاريسون فورد الشهير Blade Runner حينما يسيطر في النهاية الروبوت على البشر؟

أوضح هذه ليست نبوءات تشاؤمية، بل تحذير استباقي لمعضلة السيطرة، وسؤال معلق في أروقة علمية عديدة تتساءل عن حدود السيادة الرقمية في عالم تتطور فيه أدوات تكنولوجية خارج سيطرة الدولة، بل وقد تمثل في أوقات كثيرة خطرًا عليها. فكيف ستتعامل أي دولة إذا ما فقدت السيطرة على خوارزمياتها، أو اعتمدت على بنى تحتية رقمية خارج حدودها؟ وأتصور أن السيادة في عصر البيانات لا تقل أبدًا عن سيادة الدولة على حدودها الجغرافية.

أكد أن الحرب الحديثة لم تعد فقط صراع إرادات، بل صراع خوارزميات. تخيل مقطعًا مزيفًا لقائد سياسي، بيانًا ملفقًا، أو حملة تضليل موجهة تُحدث ارتباكًا واسعًا، خاصة في لحظات التحول والإصلاح. خاصة في عصر تتشكل فيه القناعات عبر الشاشات، يصبح الدفاع عن الحقيقة دفاعًا عن الأمن القومي.

وتابع: والردع في هذه الحالة لا يتطلب سلاحًا تقليديًا، بل منظومة ذكاء اصطناعي محمية من الاختراق.

وقال إذا كان الخطر عابرًا للحدود، فإن المواجهة يجب أن تكون مؤسسية ومنظمة. مركز قومي للذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، فالخطر على الأبواب، والتطورات في هذا المجال مخيفة لأبعد الحدود. وأتصور أن الدولة المصرية منتبهة ويقظة للخطر، واهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بمبادرة مثل "رواد رقميون"، وتكليف الأكاديمية العسكرية المصرية بها، دليل على اهتمام القيادة السياسية بمسألة الذكاء الاصطناعي وإعداد جيل جديد محترف يتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، والاعتماد على الكفاءات المصرية في التعامل مع تطوراته وتطوير نماذج وطنية يمكن الاعتماد عليها في التصدي لخطر النماذج العابرة للحدود.

ًواستكمل محمد بسيوني أتصور أنه من المهم البحث عن أطر مؤسسية مصرية تتعامل مع هذا التطور بشكل منظم، ولذلك أقترح على الحكومة والسادة نواب مجلس النواب اقتراحًا بإنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي تكون مهمته تقييم المخاطر الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، واختبار واعتماد الأنظمة قبل استخدامها حكوميًا، وتطوير نماذج وطنية آمنة، وتدريب الموظفين الحكوميين عليها، ويتضمن هيكله وحدة متخصصة لكشف التزييف العميق تكون مهمتها الكشف السريع والإعلان عنه، فالموضوع في جوهره البحث عن السيادة الرقمية وردع ذلك التطور المخيف الذي يحذر صانعوه يوميًا من توحشه وخروجه عن السيطرة.

على الجانب الآخر يمكن تطوير الجهاز الإداري للدولة المصرية عبر توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لإعادة هندسة الأداء المؤسسي، عبر بناء منظومات تحليل بيانات مركزية قادرة على قراءة مؤشرات الأداء الحكومي لحظيًا، وربط قواعد البيانات الحكومية في إطار تكاملي يمنع الازدواجية ويحد من الهدر. كما يمكن اعتماد خوارزميات التنبؤ لتحسين إدارة الموارد، سواء في مجالات الدعم الاجتماعي، أو توزيع الخدمات الصحية والتعليمية، وتوجيه الإنفاق وفق احتياجات فعلية لا تقديرات بيروقراطية جامدة.

وأوضح محمد بسيوني في مستوى ثانٍ، يسهم الذكاء الاصطناعي في تبسيط الإجراءات عبر أتمتة المعاملات الحكومية، وإطلاق مساعدين رقميين لخدمة المواطنين على مدار الساعة، بما يقلل زمن الحصول على الخدمة ويغلق منافذ الفساد الإداري المرتبط بالاحتكاك المباشر. أما في المجال الرقابي، فيمكن تطوير أنظمة ذكية لرصد أنماط الفساد أو التعثر المالي مبكرًا، استنادًا إلى تحليل البيانات الضخمة واكتشاف الشذوذ الإحصائي، بما يحول الرقابة من فعل لاحق إلى آلية استباقية، ويرتبط نجاح هذا المسار بتأسيس بنية تشريعية تحمي البيانات الشخصية، وبناء كوادر بشرية قادرة على إدارة النظم الذكية لا الخضوع لها.

أوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس شرًا مطلقًا ولا خيرًا خالصًا، ونحن أمام قوة تاريخية كبرى، شبيهة بالثورات الصناعية، لكنها تختلف عنها في أمر جوهري: أنها المرة الأولى التي يصنع فيها الإنسان كيانًا قد يتفوق عليه ذكاءً.

وفي تقديري أن الدول التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة تقنية ستفاجأ يومًا بأنه أصبح مهددًا ومصدرًا مستدامًا للقلق والتوتر.

أما الدول التي تُحسن القراءة، وتبني مؤسساتها، وتحصّن سيادتها الرقمية، فستحول هذه الثورة من مصدر قلق إلى أداة استقرار.

وفي سياق آخر قال إنه بدعوة كريمة من وزارة الداخلية ومركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان حضرتُ إحدى الندوات الدينية التي نظمتها الوزارة للنزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك، والحقيقة أنها كانت فرصة طيبة لرؤية التطور الحاصل في هذه المراكز بعيدًا عن المبالغات أو محاولات التشويه.

أضاف الواقع يقول إننا أمام تجربة حقيقية لبناء إنسان جديد ينفذ عقوبته داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، ولمستُ تغييرًا في الشخصية وأسلوب التفكير ظهر أكثر في حواري مع بعضهم، أو من خلال الأسئلة الدينية التي طُرحت على الشيوخ الأجلاء الذين قدموا إجابات مفيدة ومهمة تتعلق بالشهر الكريم.

تابع الندوة جاءت ضمن سلسلة فعاليات تستهدف تعزيز الوازع الديني، وترسيخ قيم التسامح والوسطية، وإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وضميره، بين الخطأ وفرصة التوبة، بين العثرة وإمكانية النهوض. وتحدث فيها نخبة من علماء الدين عن فضائل الشهر الكريم، وكان الحديث عن معنى الرحمة، وعن التوبة باعتبارها بداية لا نهاية، وعن القيم الإنسانية السامية التي يقوم عليها الإسلام: العدل، الإحسان، وصيانة الكرامة.

استكمل من أسباب الجريمة المعروفة غياب الوازع الديني والأخلاقي، وكثيرًا ممن قابلتهم كانت علاقتهم بالدين ضعيفة، بدأت في التشكل من جديد داخل المركز، ووفق البرنامج الموضوع لتنمية الجانب الروحي لدى النزلاء فهذه الندوات متكررة، واهتمام النزلاء بالعبادة يتنامى، وهي مسألة تتماس في الصميم مع معايير حقوق الإنسان ومبادئ نيلسون مانديلا الأممية لنزلاء أماكن الإصلاح والتأهيل.

أشار الى أن هذه الندوة وغيرها من الأنشطة التي يمارسها النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل هي دليل قاطع على عمق الفلسفة العقابية الجديدة في مصر، والانتقال من منطق العقوبة المجردة إلى منطق الإصلاح الشامل للشخصية.

ما لفت انتباهي أكثر لم يكن الكلمات فحسب، بل التفاعل. كانت هناك رغبة حقيقية لدى النزلاء في الإصغاء، في السؤال، في البحث عن معنى جديد للحياة خارج دائرة الخطأ. شعرت أن الرسالة وصلت: أن الدولة لا ترى في النزيل رقمًا في سجل، بل إنسانًا قابلًا للإصلاح، جديرًا بفرصة ثانية، وقادرًا على العودة إلى المجتمع عضوًا فاعلًا لا عبئًا إضافيًا.

لقد تحولت مراكز الإصلاح والتأهيل إلى مؤسسات تربوية وتثقيفية شاملة، تُعيد بناء الإنسان فكريًا وروحيًا، وتحترم كرامته، وتُهيئه لاندماج سويّ في المجتمع عقب انقضاء مدة العقوبة.

شهر رمضان، في رمزيته العميقة، ليس مجرد زمن للصيام، بل موسم للمراجعة، ونافذة للتصالح مع الذات، وحين تُدرك مؤسسة بحجم وزارة الداخلية هذه الدلالة، وتترجمها إلى سياسات عملية داخل مراكز الإصلاح، فإنها تُرسل رسالة مزدوجة: أن الدولة قوية بقانونها، رحيمة بفلسفتها، عادلة في ميزانها، فالدولة التي تُعيد تأهيل مواطنيها، وتفتح لهم أبواب الأمل، إنما تُحصّن مجتمعها من تكرار الخطأ، وتُحوّل العقوبة من نهاية طريق إلى بداية جديدة.

تم نسخ الرابط