عاجل

اللغة الإنجليزية ليست لغتي الأم ولن تكون كذلك مهما طال بي المقام في بلاد تتكلمها ، صحيح أنني اكتسبت قدرا لا بأس به من إتقانها بحكم العيش والعمل والتعامل اليومي ، لكن هذا الإتقان يظل - في جوهره - إتقان أداة لا إتقان بيت ، فاللغة ليست مجرد مفردات وقواعد ، بل هي ذاكرة كاملة ، وتاريخ داخلي ، وطبقات من الشعور لا تنكشف إلا لمن وُلد داخلها وتشكل وعيه بها .

ولهذا أجدني أحيانا حين أكتب بالإنجليزية ، أشعر بأنني أفكر بالعربية أولا ثم أترجم نفسي ترجمة غير كاملة ، تتسلل إلى عباراتي ظلال تراكيب لغتي الأم ، ويظهر فيها ذلك الارتباك الخفي الذي يعرفه كل من يفكر بلغة ويكتب بأخرى ، عندها لا أرى بأسا في الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ليقوم بدور تقني بحت : أن يُنعّم الصياغة ، ويصحح الزلات التعبيرية ، ويقرب النص من روح اللغة التي كُتب بها ، فهنا يظل جوهر الفكرة لي ، والمشاعر لي ، والبذرة الأولى للنص نابعة من داخلي .

لكن الأمر يختلف اختلافا جذريا حين تكون الكتابة بالعربية ، فالعربية ليست عندي وسيلة تواصل فحسب ، بل هي الوعاء الذي تشكلت فيه رؤيتي للعالم ، وهي النبرة التي أسمع بها صوت نفسي ، هي اللغة التي أفكر بها دون أن أشعر ، وأحلم بها دون أن أختار ، وأعبر من خلالها عن أدق تفاصيلي ، لذلك فإن فكرة أن أُسند صياغة أفكاري بالعربية إلى الذكاء الاصطناعي تبدو لي كأنني أتنازل عن جزء من ذاتي ، أو أسمح لوسيط بارد أن يقف بيني وبين صوتي الحقيقي .

فالكتابة ليست نقل معلومات بقدر ما هي حضور إنساني ، كل نص صادق يحمل داخله أثر صاحبه : في إيقاع جمله ، وفي اختياره لكلمة دون أخرى ، وفي مواضع التردد والاندفاع ، حتى الأخطاء أحيانا تكون كاشفة ، لأنها تعكس طريقة التفكير لا مجرد مستوى الإتقان .

أما حين تتدخل الآلة لتعيد تشكيل النص ، فإنها تميل بحكم طبيعتها إلى إنتاج صياغات متوازنة ، منمقة ، خالية من التكسر الإنساني ، قد تبدو هذه النصوص جميلة ومثالية في ظاهرها ، لكنها تفتقر إلى تلك النبرة الفردية التي تجعلنا نشعر أننا أمام إنسان لا أمام قالب ، تصبح الكلمات متشابهة ، والعبارات قابلة للاستبدال ، وكأننا نقرأ نصوصا بلا وجوه ، ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي ذاته ، بل في تحوله من أداة مساعدة إلى بديل عن الصوت الشخصي ، حينها لن نخسر فقط أساليبنا الفردية ، بل نخسر القدرة على قراءة الإنسان من خلال كلماته ، وقتها يصبح من الصعب أن نستشف الحالة النفسية للكاتب ، أو حرارة تجربته ، أو صدق انفعاله ، لأن النص لم يعد مرآة لداخله بل نتاج معالجة خوارزمية .

لذلك أرجو - بصدق - أن نظل حريصين على أن نكتب بلغتنا بأيدينا ، حتى لو كانت صياغتنا أقل أناقة ، وحتى لو شابها التردد أو العثرات ، فالعثرات البشرية أصدق من الكمال المصنوع ، والخشونة الإنسانية أعمق من النعومة الآلية ، نريد أن تبقى الكتابة مساحة يُسمع فيها صوت الإنسان كما هو : متفردا ، ناقصا ، حيا ، لا نسخة مصقولة بلا روح .

تم نسخ الرابط