التردد في بدء معركة قد يمنع اندلاعها. فهل كان الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة بهدف ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران، أم أنه حشدٌ متصاعد يهدف إلى استجلاء الميدان وضبط تموضع القوات؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفضّل كسب الحروب من دون ثمن؛ يريد السلام بالقوة. والتفسير البسيط للسلام بالقوة هو الاستسلام. لكن السلام، هذه المرة، يتصادم مع دولة عقائدية، والاستسلام التام يفقدها وجودها. هنا كانت الأولوية للمفاوضات، من دون إيقاف جسور السلاح، التي تعطي مؤشرات على أن الحرب هي الأولوية، وأن المفاوضات ما هي إلا عقرب ساعة يتوقف حين تكتمل منظومات الدفاع عن القواعد العسكرية والدول المستضيفة لها، وتمكين السلاح من جعل الضربة الأولى لدغة كوبرا لا تمكن الجسد من مقاومة السم.
هذا لا يعني تبديد المخاوف من دفع ثمن لهذه الحرب، فهذه ليست الحرب التي تفضلها أمريكا. فربما لن تكون حربًا سريعة، ولن تكون مضمونة النتائج. يمكن لأمريكا تحقيق بعض الأهداف المعلنة: تدمير البرنامج النووي والصاروخي، وقطع خطوط الدعم مع «الموالين لإيران»، لكن يبقى الخوف من دفع الثمن حاضرًا.
انتهت مفاوضات جنيف بين الأمريكيين والإيرانيين الثلاثاء الماضي بما يشي بأن حبل الحرب المشدود أخذ في الارتخاء. ومع ذلك تبقى مخاوف الحرب قائمة. وقد شرحها سكوت ريتر، مفتش أسلحة الدمار الشامل السابق في الأمم المتحدة، حين وصف حاملة الطائرات أبراهام لينكولن بأنها قد تصبح مثل البطة العرجاء، ويمكن لإيران أن ترسلها إلى قاع البحر. ولم يختلف هذا الرأي مع ما قاله المرشد الأعلى علي خامنئي حين لم ينكر قوة السفن الحربية الأمريكية، لكنه اعتبر أن إغراقها ليس بالأمر البعيد.
واعتبر سكوت أن عصر التفوق البحري الأمريكي انتهى، وأن حاملات الطائرات العملاقة، التي كانت في السابق منيعة، أصبحت الآن «توابيت عائمة» في مواجهة تكنولوجيا الصواريخ الحديثة، مشيرًا إلى أن «الكثافة الهائلة للمظلة الصاروخية الإيرانية، وتكتيكات أسراب الطائرات المسيّرة، قادرة على إرباك وإغراق الأنظمة الدفاعية المتطورة التي تحمي المجموعات الضاربة الأمريكية».
مخاوف سكوت من المخاطر المحتملة ليست غائبة عن «البنتاجون»، الذي طلب من الرئيس مزيدًا من الوقت، وهذا أمر لا يمكن قراءته إلا في إطار تعقّد حسابات الميدان، التي تدفع بأمريكا إلى رفع وتيرة نقل معدات وطائرات حربية إلى المنطقة. ومع ذلك، بدا أن منافذ أخرى تفتح؛ إذ كان في صفوف الوفد الإيراني المفاوض من يحمل خرائط الاستثمار وخزائن المنافع. وهذا ليس سرًا، فقد أعلن حميد قنبري، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية، عن مسعى لتعاون اقتصادي كبير وواسع مع أمريكا، يشمل شراء طائرات وإبرام عقود في مجالات النفط والطاقة والصناعة.
ومع ترامب يمكن إغلاق نافذة الحرب إذا فُتح باب المكاسب الاقتصادية، بعد تقييد البرنامج النووي الذي تبدي فيه إيران مرونة عالية. فالدخول الأمريكي إلى الاقتصاد الإيراني يعني ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد: التحكم في النفط والغاز والمعادن، وخلخلة الوجود الصيني والروسي.
تحتاج الحرب إلى السياسة كي تجد نافذة لفوهة المدفع، وتحتاج السياسة إلى أدوات الحرب كي تحقق نصرًا بلا كلفة. وإذا كانت الحرب هي السياسة بأشكال أخرى، أو كما يقول كارل فون كلاوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى»، فهذا يعني أن السياسة تتحرك وفق مخزون القوة. ومهما كان حجم القوة، فإنها بحاجة إلى رشدٍ سياسي.
وإذا كانت التفاهمات السياسية تجري على وقع طبول الحرب، فقد تبني المنافع الاقتصادية جدارًا عاليًا يمنع نشوبها. ويبقى السؤال: ماذا يريد التنظيم الصهيوني، الذي يجري كل ذلك لحسابه، وفي حساباته تدمير كل من وقف أو يقف في طريق إسرائيل؟