هناك شخصيات يذكرها التاريخ، وشخصيات نادرة كتبت هي التاريخ… ومن بين هؤلاء الدكتور مفيد شهاب الذي وافته المنية اليوم بعد حياة حافلة، ترك فيها إرثًا عظيمًا من العمل الوطني والقانوني والسياسي، سجل محطات مضيئة في تاريخ مصر الحديث.
ولد الدكتور مفيد شهاب في يناير عام 1936 بمدينة الإسكندرية، في العام ذاته الذي شهد توقيع المعاهدة المصرية البريطانية التي أبرمها الزعيم مصطفى النحاس من أجل الجلاء، وكأن القدر أراد أن يربط بين ميلاد قامة قانونية كبرى وحدث مفصلي في مسيرة الوطن.
شكل مساره الأكاديمي علامة بارزة في دراسة القانون الدولي في مصر والعالم العربي، إذ تخرج في كلية الحقوق، وتدرج في السلك الجامعي حتى أصبح أحد أبرز أساتذة القانون الدولي العام. عرف بدقته العلمية وعمق طرحه في قضايا السيادة والحدود والتحكيم الدولي، وأسهم عبر عقود في تدريس أجيال من الدبلوماسيين والقانونيين، كما أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، وشارك في مؤتمرات علمية دولية رسخت مكانته كمرجع أكاديمي رصين ،ولم يقتصر عطاؤه على قاعات المحاضرات، بل امتد إلى البحث والتأليف، حيث قدم إسهامات فكرية وقانونية دعمت المكتبة العربية في مجالات القانون الدولي وتسوية النزاعات بالطرق السلمية.
وعلى الصعيد الوطني، جسد الراحل نموذج العالم المنخرط في خدمة قضايا دولته، فجمع بين الفكر القانوني والممارسة التنفيذية، وتولى مناصب وزارية بارزة، كان من بينها وزير التعليم العالي، حيث أسهم في دعم وتطوير المنظومة الجامعية والبحثية، ثم وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية، فكان حاضرًا بقوة في دعم المنظومة التشريعية وصياغة القوانين، مستندًا إلى خلفيته الأكاديمية العميقة وخبرته الدستورية والقانونية الواسعة.
غير أن دوره الأخلد تمثل في مشاركته ضمن الفريق القانوني المصري في معركة استرداد طابا، إذ كان أحد العقول التي صاغت المرافعة القانونية، وقدمت الأدلة التاريخية والوثائق الحاسمة التي أكدت حق مصر الأصيل في أرضها. وبخبرته الواسعة في التحكيم الدولي، أسهم في تحقيق انتصار قانوني وطني سيبقى شاهدًا على أن الدفاع عن السيادة قد يحسم بالحجة والوثيقة بقدر ما يحسم بالقوة.
آمن بأن الوثيقة قد تعيد وطنًا، فشهد له التاريخ أنه لم يكن مفاوضًا فحسب… بل أحد حراس السيادة.
وعلى المستوى السياسي، رسخ الدكتور مفيد شهاب مكانته كأحد رموز العمل العام الذين جمعوا بين الرؤية القانونية والانحياز الكامل للدولة الوطنية، فكان صوته حاضرًا في القضايا المفصلية، مدافعًا عن الشرعية الدستورية، ومعبراً عن مدرسة وطنية رصينة ترى في القانون الدولي أداة لحماية الحقوق وصون مقدرات الشعوب، تحمل سيرته كل امتنان وتقدير لرقيه الأخلاقي الذي جعله أيقونة إنسانية يشار لها بالبنان، وقامة جمعت بين عظمة العلم ونبل الخلق.