«قانوني»: أحكام الدستورية العليا ملزمة للكافة وتلغي أحكام الإدانة بأثر رجعي
أوضح الدكتور عبدالله محمد المحامي بان الأثر الرجعي لحكم المحكمة الدستورية العليا في المجال الجنائي: يجري نص المادة (195) من دستور 2014 علي أن: تنشر في الجريدة الرسمية الأحكام والقرارات الصادرة من المحكمة الدستورية العليا، وهي ملزمة للكافة، وجميع سلطات الدولة، وتكون لها حجية مطلقة بالنسبة لهم، وينظم القانون ما يترتب على الحكم بعدم دستورية نص تشريعي من آثار.
قانوني: أحكام الدستورية العليا ملزمة للكافة وتلغي أحكام الإدانة بأثر رجعي
ونصت المادة: (49/ 3، 4) من قانون المحكمة الدستورية العليا على الأثر الرجعى المطلق عند تنفيذ الحكم الصادر بعدم دستورية نص جنائي، وذلك بقولها: ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي، تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى ذلك النص كأن لم تكن، ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به.
وتابع المحامي بان المقصود بالنص الجنائي: أول ما يستفاد من نص المادة: (49) سالفة الذكر أنه أطلق لفظ "جنائي" دون تحديد، بدلا من "عقابي" الذى كان مقترحا من قبل في بعض المشاريع السابقة، بحيث تتسع لتشمل كافة النصوص التي تعمل في المجال الجنائي، سواء كانت نصوص عقابية تفرض عقوبة أو تدبير، أو نصوص خاصة بالتنفيذ، أو نصوص الإجراءات الجنائية.
وهذا الاتجاه تبرره اعتبارات العدالة، وطبيعة التشريعات الجنائية، وانها فى مجموعها وأنواعها تمس بطريقة مباشرة الحرية الشخصية للأفراد.
إطلاق الأثر الرجعى: إذا صدر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص جنائي، فإنه يسرى بأثر رجعى مطلق على جميع الأحكام القضائية الصادرة بالإدانة، استنادا إلى ذلك النص المقضي بعدم دستوريته.
فلابد أن يكون الحكم الجنائي صادرا بالإدانة، يستوي في ذلك أن يكون صادرا بعقوبة مقيدة للحرية، أوسالبة لها، أو بعقوبة مالية – سواء كانت غرامة، أو تعويضات، أو رد مبالغ.
وأضاف أنه لابد أيضا أن يكون هذا الحكم الجنائي قد صدر مستندا إلى النص القانوني المقضي بعدم دستوريته، وسواء صدر مستندا إلى هذا النص وحده أو إلى مجموعة من النصوص من بينها النص غير دستوري، فإن الحكم الصادر بعدم الدستورية يمتد إليه.
وأكمل أن فالأثر الرجعى في هذه الحالة يطبق بصفة مطلقة حتى ولو كانت الأحكام الصادرة بالإدانة أحكامًا باتة، وفى هذا انحياز كامل للشرعية والحرية الشخصية، ذلك أن الأحكام الجنائية تمس بطريق مباشر الحرية الشخصية للمواطن ولغير المواطن، وهى أعز ما يحرص عليه، فإذا اتضح أن النص الذى طبق عليه كان غير دستوري، فالعدالة تقتضى أن نغلب جانب الحرية على جانب حجية الأحكام الجنائية، وفى هذا إعمال كامل لمبدأ الشرعية.
كيفية تنفيذ حكم الدستورية من الناحية العملية:
ورد نص على اعتبار الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة استنادًا إلى نص قضى بعدم دستوريته "كأن لم تكن".
ومعنى "كأن لم تكن" يعنى سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن فيها ممتنعًا لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها، وهى رجعية كاملة أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية، وهى رجعية لا قيد عليها، ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفًا لكل عائق على خلافها، لو كان حكما باتا.
واعتبار الحكم كأن لم يكن – من الناحية العملية – لا يثير صعوبة إذا كان الحكم أو الأحكام الجنائية غير باتة، إذ يجوز الطعن فيها من ذوى الشأن، ومن النيابة العامة، وبالتالى إلغاؤها واعتبارها كأن لم تكن.
كيفية تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بعدم دستورية نص جنائي:
الأصل أن إعمال أثر حكم المحكمة الدستورية العليا على النزاع الموضوعي منوط بمحكمة الموضوع، وذلك ابتناء على أن محكمة الموضوع هي التي تنزل بنفسها على الوقائع المطروحة عليها قضاء المحكمة الدستورية العليا على المسألة الدستورية باعتباره مفترضًا أوليًا للفصل في النزاع الموضوعي الدائر حولها. لكن هذا الأصل لا يجرى على إطلاقه، إذ أنه في كثير من الحالات تكون محكمة الموضوع استنفدت ولايتها – وبالتالي يجب التفرقة بين حالتين:
الحالة الأولى:
حالة ما إذا كانت الدعوى مازالت مطروحة أمام محكمة الموضوع سواء أكانت أول درجة أم محكمة الطعن أو لازالت في المراحل التمهيدية ولم تصل بعد إلى محكمة الموضوع.
في مثل هذه الحالات يطبق الأصل الذى أشرنا إليه آنفا، ويترك الأمر لمحكمة الموضوع لتعمل آثار الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص جنائي على إطلاقه، وفق ما يتراءى لها، ولا يجوز عرض الأمر على المحكمة الدستورية العليا وقد أكدت على ذلك المحكمة الدستورية العليا في العديد من الأحكام نذكر منها على سبيل المثال حكمها الصادر بجلسة 30/7/2017 في القضية رقم 61 لسنة 38 قضائية دستورية.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى أيضًا على أن إعمال آثار الأحكام التي تصدرها فى المسائل الدستورية هو من اختصاص محاكم الموضوع، وذلك ابتناء على أن محكمة الموضوع هي التي تنزل بنفسها على الوقائع المطروحة عليها قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن المسألة الدستورية، باعتباره مفترضًا أوليًّا للفصل في النزاع الموضوعي الدائر حولها، ومن ثم فهي المنوط بها تطبيق نصوص القانون في ضوء أحكام المحكمة الدستورية العليا، الأمر الذى يستلزم، كأصل عام، اللجوء إلى تلك المحاكم ابتداءً لإعمال آثار الأحكام الصادرة فى المسائل الدستورية على الوجه الصحيح، وليضحي اللجوء الى المحكمة الدستورية العليا الملاذ الأخير لإزاحة عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها وتحول دون جريان آثارها، بما مؤداه أنه لا يصح أن يكون العائق المدعى به في منازعة التنفيذ، مجرد ادعاء مرسل أو إجراء مبدئي يناقض حكمًا للمحكمة الدستورية العليا، وإنما يلزم أن يتبلور هذا العائق في تصرف قانوني نافذ، بصورة نهائية، منتجًا لآثار قانونية تحول دون انسياب آثار حكم المحكمة الدستورية العليا، وتبعًا لذلك فإن مناط قبول منازعة التنفيذ يكون متخلفًا كلما كان الحائل المدعى به يمكن دفعه باتخاذ إجراء مقرر قانونًا يلزم اتباعه قبل سلوك سبيل منازعة التنفيذ، ذلك أن عوائق التنفيذ التي تختص هذه المحكمة بإزاحتها لا تمتد إلى أي عمل تمهيدي أو إجراء افتتاحي يدخل ضمن سلسلة من الإجراءات التي تكون في مجموعها وعند تمامها عملا قانونيّا مكملا، يصلح أن يكون محلا لنزاع يتم عرضه على القضاء.
الحالة الثانية: حالة استنفاد محكمة الموضوع لولايتها:
في حالة صدور حكم بات من محكمة الموضوع، فإن المحكمة لا تستطيع التعرض مرة ثانية للموضوع لإعمال أثر الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا، ولا يكون من أمر سوى اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا عن طريق طرح منازعة تنفيذ أمامها تطلب من المحكمة الدستورية الأمر بالأستمرار في تنفيذ حكمها باعتبار أن صدر حكم قضائي بات ابتنى على النص المحكوم بعدم دستوريته يعد عقبة من عقبات تنفيذ الحكم الدستوري.
لكن ما هي العلة من اشتراط أن يكون الحكم المنازع في تنفيذه قد صار باتًا؟
الحكم البات هو الذى استغلقت جميع طرق الطعن أمامه سواء باستنفاد هذه الطرق أو صدوره غير قابل للطعن عليه أو فوات مواعيد الطعن دون طعن، فلا يجوز اللجواء إلى المحكمة الدستورية العليا قبل استنفاد هذه الطرق أو فوات المواعيد ذلك أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا هو الملاذ الأخير لتصحيح مسار الأحكام القضائية.



