لم تعد ظاهرة الكلاب الضالة في الشارع المصري مجرد مشهد عابر اعتاده المواطنون، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى قضية رأي عام تفرض نفسها بقوة على طاولة النقاش المجتمعي. في عدد من الأحياء الشعبية والراقية على السواء، تتجول مجموعات من الكلاب في وضح النهار، وتتصاعد نباحاتها ليلًا، فيما تتزايد شكاوى الأهالي من حوادث العقر وحالات الذعر التي تصيب الأطفال وكبار السن.
الخطورة لا تكمن فقط في الشعور بالخوف، بل في ما قد يترتب على بعض هذه الحوادث من تبعات صحية جسيمة. فالعقر قد يستدعي تلقي أمصال مضادة لداء الكلب، وهو مرض خطير إذا لم يتم التعامل معه طبيًا في الوقت المناسب. ورغم توافر العلاج في المستشفيات الحكومية، فإن رحلة العلاج تظل مرهقة نفسيًا وجسديًا للمصاب وأسرته، فضلاً عن الضغط الذي تمثله هذه الحالات على المنظومة الصحية.
أن تفاقم الظاهرة يرتبط بعدة عوامل متشابكة، من بينها التخلي عن الحيوانات الأليفة في الشوارع، وضعف الرقابة على عمليات التربية غير المنظمة، إضافة إلى مشكلة القمامة التي توفر مصدرًا مفتوحًا للغذاء يساعد على تكاثر الكلاب واستقرارها في مناطق بعينها. كما أن غياب قواعد بيانات دقيقة حول أعداد الكلاب الضالة يعرقل وضع خطط فعالة للسيطرة على الموقف.
لابد من حلول عاجلة تضمن لهم الأمان في الشوارع، خصوصًا في محيط المدارس والمستشفيات ومواقف المواصلات. بعضهم و حملات مكثفة لجمع الكلاب من المناطق السكنية، لان الأولوية يجب أن تكون لحماية الإنسان.
غير أن خبراء في الطب البيطري ومنظمات معنية بالرفق بالحيوان يحذرون من أن الحلول السريعة غير المدروسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ سرعان ما تظهر مجموعات جديدة في المناطق التي يتم إخلاؤها.
الحل، بحسب هؤلاء، يكمن في استراتيجية متكاملة تقوم على برامج الإمساك والتعقيم والتطعيم ثم الإعادة إلى بيئة خاضعة للمتابعة، بما يحد من التكاثر ويقلل مخاطر الأمراض تدريجيًا. كما يشددون على أهمية التوعية المجتمعية بمسؤولية اقتناء الحيوانات، وفرض عقوبات رادعة على من يتخلى عنها في الشوارع. ويرتبط بذلك أيضًا تطوير منظومة النظافة وإدارة المخلفات، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تقليل مصادر الغذاء التي تجذب الكلاب.
الملف في جوهره لا يحتمل المعالجة الأحادية. فهو يتقاطع مع الصحة العامة، والإدارة المحلية، والتشريعات، والسلوك المجتمعي. وبين حق المواطن في شارع آمن وواجب المجتمع في التعامل الإنساني مع الحيوان، تبرز الحاجة إلى قرار واضح وإرادة تنفيذية حاسمة. فاستمرار الوضع الراهن يعني بقاء الخوف حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، بينما يظل الحل ممكنًا إذا توافرت رؤية شاملة توازن بين الحزم والرحمة، وتضع سلامة المواطن في مقدمة الأولويات دون إغفال البعد الإنساني.