كيف نغتنم شهر رمضان ونفحاته؟.. احذر ستة من العوائق والشواغل
كيف نغتنم شهر رمضان ونفحاته؟، سؤال نوضحه مع اقتراب الشهر الفضيل، لذا عليك الحذر من ستة من العوائق والشواغل.
كيف نغتنم شهر رمضان ونفحاته؟
يقول الدكتور مسعد الشايب، للأسف الشديد الكثير منا يدرك شهر رمضان ويخرج منه كما دخله بدون اغتنام لخيراته ونفحاته وبركاته، بدون أن يؤثر فيه وفي أخلاقه شيئا، بدون أن يقربه من المولى تبارك وتعالى، وذلك بسبب العوائق والشواغل التي منها، الآتي:
أولًا: الانشغال بالأعمال المنزلية، والإسراف في صناعة المطعومات والمشروبات...الخ، فكثير من السيدات على وجه الخصوص يصير شهر رمضان لهن مجرد شهر لصناعة أشهى الحلويات والمأكولات، مع أن الصيامَ ما شُرِع إلا للتخفف من الأعباء الجسدية، والأمور الدنيوية بالإمساك عن الطعام والشراب ومباشرة الزوجة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
فالحق تبارك وتعالى يقول: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}[البقرة:187].
ومن عجيب أمر الناس اليوم أنهم جعلوا شهر رمضان وفريضة الصيام موسمًا للزيادة في الاستهلاك، والإسراف في تناول المطعومات والمشروبات، بل وفي مصادر الطاقة والكهرباء أيضًا، مع أن الشريعة الإسلامية بقرآنها وسنتها قد نهيا عن ذلك.
فالحق تبارك وتعالى يقول: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف:31]، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الْآدَمِيِّ، لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ).
ثانيًا: الانشغال بالسهرات الرمضانية سواءٌ داخل المنزل أو خارجه، السهرات الرمضانية الخالية من الطاعة والتعبد، الخالية من تحصيل العلم، أو قضاء حوائج الناس، أو الصلح بينهم...الخ وقد تكون هذا السهرات انشغالا بتوافه الأمور، وهذا يقع فيه كثيرٌ من الشباب والفتيات اليوم، وكذلك قطاعٌ عريض من الأسر والعائلات، وهذا أحد قطاع طرق العبادة في الشهر الفضيل كما بينت تحت عنوان: (ما يجب على المسلم إعداده قبل الشهر الفضيل).
وشدد: فالحذر كل الحذر من قطّاع طرق العبادة والطاعة في شهر رمضان الكريم، فالحق تبارك وتعالى يقول: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمً}[النساء:27،26ٌ].
ثالثًا: مصاحبة أصدقاء السوء، وملازمتهم، مع أننا مأمورون بمصاحبة الأخيار، ومن يدفعوننا إلى طاعة الله، أو على الأقل يذكرونا بالله (عزّ وجلّ) وينهوننا عن معاصيه، فكيف بمصاحبة مَنْ هو بعيد عن طاعة الله؟ وخصوصًا في شهر الطاعة والعبادة، فالمؤمن كيسٌ فطنٌ ينبغي أن يحذر من مصاحبة ما يضره في الدنيا والآخرة، في الدين والدنيا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول أيضًا: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِطُ).
رابعًا: إطلاق العنان للجوارح والأعضاء، وعدم إلزامها بالصيام كالبطن والفرج، بالوقوع في الغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور، وإيذاء الأخرين، والنظر إلى ما حرم الله، والاستماع إلى ما يغضب الله...الخ، وكل هذا ينقص ثواب الصيام، وقد يضيعه بالكلية. فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ).
ويقول سيدنا جابر بن عبد الله (رضي الله عنه): (إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ، عَنِ الْكَذِبِ، وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً).
خامسًا: الوقوع في الأخلاق السيئة (على وجه الخصوص) كالغضب والنرفزة، والسبّ والشتم، والشجار، وعدم ضبط النفس بحجة الصيام، فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ)، فهذا قد يضيع ثواب وأجر الصيام بالكلية كما سمعنا من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم أيضًا: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَعَرَفَ حُدُودَهُ، وَتَحَفَّظَ مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ فِيهِ، كَفَّرَ مَا قَبْلَهُ).
ولفت إلى أن الصيام شرع لتربية القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاق القويمة في نفوسنا، ففريضة الصيام بحق مدرسة تربوية أخلاقية، فيها الصبر، والإرادة، وقوة التحمل، وضبط النفس، وضبط اللسان، فيها الشعور بالآخرين، وفيها الجود والكرم، وتحثنا على الابتعاد عن كل ما يفسد الصيام، وينقص من أجره وثوابه.
ومن عجيب أمر الناس أيضًا في هذا العصر في بعض البلدان أن المشاجرات والمشاحنات تكثر بينهم في شهر رمضان وهم صائمون، ويتعللون ويتحججون، ويتذرعون بالصيام على ضيق الأفق، وسوء الأخلاق، فيقول الواحد منهم عند عتابه على أخلاقه السيئة: (معلش عشان صايم)، فهل الصيام أمر بذلك؟
سادسًا: اتخاذ شهر رمضان عادة وتقليدًا لغيرنا، فهو عند الكثير شهرٌ عادي، شهر رمضان أيها الأخوة الأحباب وصيامه ليس تقليدًا للآباء والأمهات، ولا الأهل والأقارب والجيران، وإنما هو عبادة وطاعة شرعت لحكمٍ عاليةٍ وأهدافٍ ساميةٍ لخصها وأوجزها الحق تبارك وتعالى في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183].
وأكد: فريضة الصيام شرعت شحذًا للروح وصرفًا للهمم إلى المراتب الروحانية الملائكية العالية، فقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) كما تروي السيدة عائشة (رضي الله عنها): (يجتهدُ في رمضانَ ما لا يجتهدُ في غيره، وفي العشْرِ الأواخِرِ منه ما لا يجتهد في غيره).
فكان صلى الله عليه وسلم يكثر من أصناف الطاعة والعبادة ما بين تراويح وتهجد وقراءة للقران، وجود وكرم، وسعى في قضاء الحوائج والاعتكاف في العشر...إلخ، وكذلك كان سلفنا الصالح (رضي الله عنهم)، فعن السائب بن يزيد: (...وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ. وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ)(موطأ مالك، 379)، وعن الأعرج: (...وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ).
ومن عجيب أمر الناس أيضًا في هذا العصر أن كثيرًا منهم تفنن في إضاعة أوقات شهر رمضان وساعات الصيام النفيسة ما بين لهو ولعب، فلا تكن معهم أخي الصائم، واجعل شعارك في شهر رمضان: وصدق الله حينما قال: {مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}[الجمعة:11].





