حادثة إذلال شاب في القليوبية لم تكن مجرد واقعة اعتداء مؤسفة، بل كانت مشهدًا مكتمل الأركان من دراما الشارع؛ تجمهر، تصوير، استعراض قوة، وإهانة تُمارَس أمام عدسات الهواتف. السؤال الصريح الذي لا يجب الهروب منه: من أين تعلّم البعض هذا السيناريو؟
لسنوات، قدّمت بعض الأعمال الدرامية نموذج “البطل الشعبي” الذي يفرض احترامه بالقوة، ويستعيد “حقه” بالإهانة، ويصنع هيبته بالخوف. قد يكون الهدف فنيًا أو تجاريًا، لكن النتيجة أن صورة العنف تُقدَّم أحيانًا في إطار بطولي جذاب، يُصفَّق له ويُعاد تداوله ويُحاكى.
حين يرى شاب أن الاعتداء يمنحه حضورًا، وأن الإذلال يُكسبه نفوذًا، فإن المسافة بين الشاشة والشارع تضيق. المشكلة ليست في عرض العنف كظاهرة اجتماعية، بل في تحويله إلى وسيلة انتصار. حين يتحول البلطجي إلى بطل، يصبح التقليد احتمالًا واردًا.
لا أحد يقول إن الدراما هي السبب الوحيد، فهناك خلل تربوي واجتماعي وثقافي أعمق. لكن لا يمكن إنكار أن الفن قوة مؤثرة في تشكيل الوعي، خاصة لدى المراهقين والشباب. الصورة المتكررة تخلق نموذجًا ذهنيًا، والنموذج حين يُكرَّر يصبح سلوكًا قابلًا للاستنساخ.
ما حدث في القليوبية جريمة يعاقب عليها القانون، لكنه أيضًا مرآة لثقافة تتسامح مع مشهد الإذلال طالما يُقدَّم في إطار “استعراض رجولة”. هنا تكمن الخطورة: أن يُختزل مفهوم القوة في القدرة على كسر الآخر، لا في حماية الأضعف.
الدراما ليست مطالَبة بأن تكون موعظة أخلاقية، لكنها مسؤولة عن الرسائل التي تكرّسها. فحين تتكرر صورة القوة المنفلتة بلا مساءلة، يصبح العنف مشهدًا عاديًا، وتتحول الكاميرا من أداة فن إلى مصدر إلهام خاطئ.
ربما آن الأوان لإعادة تعريف البطولة. فالمجتمع الذي يُصفّق لمشهد الإهانة على الشاشة، قد يصحو يومًا ليجده يحدث أمام بيته.