بين الانقلابات والنزاعات.. قمة إفريقية حاسمة لرسم خريطة الاستقرار
تنعقد قمة الاتحاد الإفريقي في توقيت بالغ الحساسية، بينما تواجه القارة السمراء واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد الاضطرابات الأمنية والسياسية في عدد من الدول، وتزايد النزاعات المسلحة والانقلابات، إلى جانب تحديات اقتصادية خانقة وأزمات إنسانية ممتدة.
تأتي القمة في وقت تتشابك فيه الأزمات من القرن الإفريقي إلى منطقة الساحل وغرب القارة، مرورا بتداعيات الصراعات الداخلية، وملفات الإرهاب والهجرة غير الشرعية، فضلا عن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التضخم العالمي وارتفاع الديون وتراجع معدلات النمو في بعض الاقتصادات الإفريقية.
كما تفرض التغيرات المناخية نفسها بقوة على جدول الأعمال، في ظل ما تعانيه عدة دول من موجات جفاف وفيضانات تهدد الأمن الغذائي لملايين المواطنين.
قمة الاتحاد الإفريقي
وفي هذا السياق، تكتسب القمة أهمية استثنائية باعتبارها منصة حاسمة لتنسيق المواقف الإفريقية، وتعزيز آليات السلم والأمن، ودعم مسارات التسوية السياسية، إلى جانب دفع جهود التكامل الاقتصادي، خاصة في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
ويراهن قادة القارة على أن هذه القمة تمثل نقطة انطلاق نحو معالجة جذور الأزمات، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها، عبر تبني مقاربات شاملة تجمع بين الأمن والتنمية، وتؤكد على مبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، في ظل تحولات دولية متسارعة تعيد رسم موازين القوى وتفرض تحديات إضافية على دول القارة.
وبين رهانات الاستقرار وطموحات التنمية، تنعقد القمة وسط ترقب واسع لقراراتها، ومدى قدرتها على تحويل التوصيات إلى خطوات عملية تعيد للقارة قدرًا من التوازن في مواجهة العواصف المتلاحقة.
وأكد الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشأن الإفريقي، أن انعقاد القمة الإفريقية التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي يأتي في سياق إقليمي شديد الاضطراب والتعقيد، تحيط به أزمات سياسية وأمنية واقتصادية وتنموية متشابكة، تجعل من هذه القمة واحدة من أهم القمم في السنوات الأخيرة.
التداعيات الإقليمية الممتدة إلى نحو ثماني دول مجاورة
وأوضح قرني، في تصريحات خاصة لـ«نيوز رووم»، أن أبرز التحديات التي تواجه الاتحاد الإفريقي حاليًا يتمثل في محدودية قدرته على احتواء بعض الأزمات الأمنية الكبرى في القارة، وعلى رأسها استمرار الحرب في السودان للعام الثالث على التوالي، والتي تحولت وفق توصيفات دولية إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية عالميًا، في ظل تقديرات تشير إلى تضرر ما بين 15 إلى 25 مليون مواطن سوداني، فضلًا عن التداعيات الإقليمية الممتدة إلى نحو ثماني دول مجاورة.
وأضاف أن المشهد لا يقتصر على السودان، إذ يشهد جنوب السودان حالة احتقان أمني خطير، مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة بقيادة رياك مشار، بما ينذر باحتمالات انزلاق البلاد مجددًا نحو حرب أهلية، وهو ما حذرت منه تقديرات أممية تتحدث عن كارثة إنسانية وشيكة.
وأشار قرني إلى أن منطقة الساحل والصحراء، وكذلك القرن الإفريقي وشرق القارة، تشهد تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة النشاط الإرهابي، إلى جانب عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية في عدد من الدول الإفريقية، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا لمنظومة السلم والأمن الإفريقية، رغم التحذيرات المتكررة من قبل الاتحاد.
أجندة أمنية ضاغطة
وأكد أن هذه التحديات مجتمعة تفرض على القمة أجندة أمنية ضاغطة، حتى وإن اختار الاتحاد الإفريقي هذا العام شعارًا تنمويًا يتمثل في “ضمان توافر المياه بشكل مستدام وأنظمة صرف صحي آمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063”.
ولفت الخبير في الشأن الإفريقي إلى أن اختيار ملف المياه يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة هذا التحدي، خاصة في ظل ارتباطه بقضايا البنية التحتية والتغيرات المناخية والاستقرار السياسي. وبين أن تقديرات دولية تشير إلى أن نحو 300 مليون إفريقي لا يحصلون على مياه نظيفة كافية، أي ما يقارب ربع سكان القارة البالغ عددهم نحو 1.3 مليار نسمة، فيما يفتقر نحو 700 مليون شخص أي قرابة نصف السكان إلى خدمات صرف صحي آمنة، وفق بيانات اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة.
اختراق أحد أكثر الملفات إلحاحًا في القارة
وأوضح أن تبني هذا الشعار يمثل محاولة لاختراق أحد أكثر الملفات إلحاحًا في القارة، باعتباره مدخلًا لتحقيق التنمية الشاملة وتقليل بؤر التوتر والصراعات المرتبطة بالموارد.
وفي السياق ذاته، شدد قرني على أهمية الدفع نحو تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، مشيرًا إلى أن حجم التجارة البينية الإفريقية لا يتجاوز 20%، مقارنة بنسبة تتراوح بين 60 و70% من التبادل التجاري مع قوى دولية كبرى مثل الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، معتبرًا أن تعزيز التجارة البينية يمثل ركيزة أساسية لدعم ملفات الصحة والبنية التحتية وتمكين الشباب والتحول الرقمي، بما يتسق مع رؤية الاتحاد لتفعيل أجندة 2063.
خطة إسكات البنادق
وأكد الخبير في الشأن الإفريقي، أن الجانب الأمني سيظل حاضرًا بقوة في مداولات القمة، خاصة فيما يتعلق بتفعيل الخطة العشرية الثانية لاستراتيجية “إسكات البنادق”، باعتبارها إحدى الآليات الإفريقية الرئيسية لمواجهة النزاعات المسلحة وتعزيز الاستقرار في القارة، مؤكدًا أن نجاح القمة سيقاس بمدى قدرتها على تحويل هذه الشعارات إلى سياسات تنفيذية فعالة على الأرض.
علق الدكتور محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، على قمة الاتحاد الإفريقي الـ 39 المنعقدة في إثيوبيا، مؤكدًا أنها تأتي في ظل ما يشهده الإقليم من اضطرابات أمنية معقدة وتحديات غير مسبوقة تهدد استقرار القارة الإفريقية ووحدة دولها.
تحديات غير مسبوقة تهدد استقرار القارة الإفريقية
وأكد علام، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن ترأس وزير الخارجية جلسة مشاورات مجلس السلم والأمن غير الرسمية حول السودان، تأتي في ظل ما يشهده الإقليم من اضطرابات أمنية معقدة وتحديات غير مسبوقة تهدد استقرار القارة الإفريقية ووحدة دولها.
وأوضح وزير الري الأسبق أن هذه الجلسة تمثل منصة مهمة لإعلان موقف مصر الواضح والحاسم تجاه عدد من الملفات الملتهبة، وفي مقدمتها الأزمة السودانية، مشددًا على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ورفض أي تدخلات خارجية أو دعم للميليشيات المسلحة التي تسعى إلى تفكيك الدولة السودانية وتعميق معاناة شعبها.
وأشار إلى خطورة ما وصفه بـ"القاعدة الإثيوبية غير المباشرة" التي تنطلق من دعم بعض الميليشيات، بما يهدد الأمن الإقليمي بأكمله.
احترام سيادة الدولة الصومالية
وفيما يتعلق بالصومال، شدد علام على أهمية احترام سيادة الدولة الصومالية ووحدة أراضيها، ورفض أي محاولات للاعتراف بكيانات انفصالية مثل "أرض الصومال"، أو إقامة قواعد عسكرية أجنبية أو استخدام موانئها بما يمس الأمن القومي العربي والإفريقي، مؤكدًا أن استقرار الصومال يمثل حجر زاوية في استقرار منطقة القرن الإفريقي.
كما دعا إلى ضرورة نشر قوات أمن وضمانات إقليمية على الحدود الإثيوبية–الإريترية، مع التأكيد الصريح على مبدأ احترام سيادة الدول على حدودها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لحفظ السلم والأمن في القارة، مؤكدًا على أن تحرك مصر داخل الاتحاد الإفريقي يعكس رؤية استراتيجية تقوم على حماية الدولة الوطنية، وصون وحدة أراضيها، ومنع انزلاق القارة إلى مزيد من الصراعات التي تهدد أمن شعوبها ومستقبلها.