عاجل

في كل مرة تحدث واقعة تشغل الرأي العام، ينحرف النقاش سريعًا عن مساره الطبيعي. بدل أن نسأل: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وما الأدلة؟ يتحول الجدل إلى سؤال آخر: هل الفاعل رجل أم امرأة؟ وكأن نوعه هو القضية، لا الفعل نفسه.

بهذه الطريقة تضيع البوصلة. تتحول الحادثة من مسألة أخلاقية وقانونية تحتاج إلى تحقيق عادل، إلى معركة مفتوحة بين فريقين. كل طرف يسارع إلى الدفاع عن “جنسه”، أو إلى الهجوم على الطرف الآخر، بينما الحقيقة تتراجع إلى الخلف.

هذا الميل إلى التعميم مريح نفسيًا، لكنه خطير اجتماعيًا. فعندما نقول “الرجال يفعلون” أو “النساء يفعلن”، نحن نذيب المسؤولية الفردية داخل جماعة كاملة. فلا يعود التركيز على الشخص الذي ارتكب الخطأ، بل على هوية ينتمي إليها الملايين. وهنا تختلط العدالة بالانحياز.

وسائل التواصل تزيد هذا الاستقطاب. الخطاب الحاد يجذب الانتباه أكثر من التحليل المتزن. والانفعال ينتشر أسرع من التفكير الهادئ. لكن المجتمع لا يُبنى بالصراخ، بل بالميزان العادل.

الحقيقة البسيطة التي يجب ألا نغفلها: الفعل يُقيَّم بميزان الأخلاق والقانون، لا بميزان النوع. الخطأ يظل خطأ، سواء صدر عن رجل أو امرأة. والضحية تستحق الإنصاف، بغض النظر عن هوية الجاني.

إن نضجنا كمجتمع يبدأ حين نفصل بين الهوية والفعل. حين نعود إلى الأسئلة الصحيحة: ما الذي حدث؟ من يتحمل المسؤولية؟ وكيف تُطبَّق العدالة؟ عندها فقط نحمي المجتمع من الاستقطاب، ونحمي العدالة من أن تتحول إلى ساحة صراع بين ذكور وإناث
العدالة لا تعرف رجلا ولا امرأة … تعرف فاعلا يُحاسَب وحقًا يعود

تم نسخ الرابط