خلف قصور السياسة وأبراج المال تُدار حكايات تختلط فيها النشوة بالسطو، والمتعة بالإذلال، والتسلية بالخديعة. إنها بورصة للمعلومات التي تجلب الثروات؛ ترتفع الأسهم تبعًا لقيمة المعلومة ونفوذ من يملكها. وفي الخفاء أجهزة تُسجّل، وعيون ترصد، وأيدٍ تُدير. الصور والفيديوهات والمراسلات أدوات تشغيل وابتزاز. وبعد أن تنتهي المهمة تتحول الأوراق إلى حكايات مثيرة تطيح بمن انتهت مهمتهم، وتُغطي على حكايات تُطبخ في مطابخ الجاسوسية وأروقة الشركات العابرة للقارات.
لم أندهش من تلك الحكايات التي تُروى كأنها كوابيس، أو هلاوس لجسدٍ محموم. جيفري إبستين ليس خطيئة العصر، لكنه رواية في كل عصر. إنه فخٌّ منصوب في كل بقاع الأرض، والضحايا لا ينزلقون وأعينهم معصوبة. الرجل استخدم السلاح الأشهر والأقوى عبر التاريخ؛ استخدم “الغواية” سلاحًا نافذًا. فالوفرة التي لا تحدها حدود تحتاج إلى ملذات متجددة، والنفوذ المفرط يحتاج إلى الصخب والمتعة، والأجهزة المُشغِّلة تحتاج إلى عملاء وخاضعين. الذين سقطوا فقراء يبحثون عن الكنز، وأثرياء يريدون النشوة، وأصحاب نفوذ يرون أن قوتهم المطلقة تُرسم على أجساد عارية ومرتعشة.
جيفري شيّد قلعته ليأتي إليها قادة وزعماء ورؤساء شركات وبنوك ونجوم مجتمع؛ يأتون وفي يد كل واحدٍ سرُّه الذي كان يُخفيه تحت ضلوعه. حالة استرخاء ينزعون فيها ملابسهم ووجوههم وقلوبهم وضمائرهم وعقولهم مقابل متعة جديدة لم يجربوها: متعة الافتراس، ومشاهدة الدم، وسماع الصراخ، والتلذذ برؤية المتألمين. الإنسان لم يتخلص تمامًا من تاريخه حين كان هائمًا في البرية يفترس كل ما يقدر عليه.
تاريخيًّا لم تجد أجهزة الاستخبارات وسيلة أنجع من “إذلال المستهدف”، والبحث في شهواته، واستكشاف رغباته. لا شيء صعب: امرأة جميلة، ورجل ذو نفوذ أو مال أو حظوة، وينتهي الأمر بحبلٍ في رقبة الضحية. فالحياة لها وجهان: وجه ظاهر يُوجَّه للناس، ووجه باطن لا يُعلَن إلا لضرورة. الحياة تُدار عبر الوجه الخفي، والناس تُصدّق، يتصرفون وكأنهم أحرار؛ يرون هذا ناجحًا ومثاليًّا، وذاك فاشلًا.
الوجه الخفي يُدير العالم عبر الحروب وتراكم الثروات وتضخيم الفقر. يتحكمون في البشر عبر الخرافات والأساطير والشائعات وقصص الأبطال، وصولًا إلى الهواتف المحمولة وشبكات التواصل. يقولون إن بصمات “الموساد” حاضرة، وإن إبستين كان عميلًا لهم، ونقول: من غيرهم يتاجر في الفضائح، ويربح من بيع “الجنس”، ويتكسب من الصراعات؟ من غيرهم يجيد صنع الفخاخ ويتلذذ بخضوع الضحايا؟ هذا رأسمالهم الأهم.
تبقى قصة “جزيرة الشيطان” مجرد جانب من الحكاية، أما التفاصيل المفجعة فستظل في خزائنها؛ فالوثائق التي سُمح بنشرها ظهرت منقَّحة، ليبقى ما خفي أرخص وأكثر انحطاطًا.
إبستين ليس أول “القوّادين” ولن يكون آخرهم؛ فمثله تزداد الحاجة إليهم، تحميهم سلطات، وتستخدمهم أجهزة، وتُثريهم أنظمة. فكيف يمكن إخضاع الشركات التريليونية وجعل أصحابها تحت الطلب؟ كيف يمكن اختراق بيوت الحكم ومقرات الثروات؟ لا بد من “إبستين” يلتقي عنده الجواسيس والعملاء وملاك الثروات وأصحاب النفوذ وتجار الرقيق؛ فعنده تجتمع المعلومات والمتناقضات التي تبقى في يد من يُشغّله.