«أم المكفوفين».. عواطف العقاد: قصة عطاء إنساني لا تنسى في بني سويف
لا يزال الحزن العارم يخيم على أجواء محافظة بني سويف، عقب وفاة السيدة عواطف العقاد، رئيس مجلس إدارة جمعية النور والأمل لرعاية المكفوفين بالمحافظة، حيث شيع جثمانها عقب صلاة الظهر من محافظة الزقازيق.
رائدة العمل الاجتماعي في بني سويف، وأم الكفيفات والمكفوفين، وأقدم رئيس مجلس إدارة لجمعية أهلية في مصر؛ هكذا لقبت الراحلة على ألسنة محبيها، تلك السيدة ابنة محافظة الشرقية التي أفنت عمرها في خدمة أهالي بني سويف، حتى أصبحت جزءا أصيلا من وجدان المحافظة وذاكرتها الإنسانية.
بداية الرحلة
عواطف العقاد، ابنة محافظة الشرقية، تزوجت من الدكتور جمال حسن أثناء عمله هناك، وبعد انتهاء فترة تكليفه انتقلت معه إلى بني سويف، لتبدأ رحلة إنسانية غيّرت حياة آلاف من المكفوفين وأسرهم.
وفي عام 1984، أعلنت تأسيس جمعية النور والأمل لرعاية الكفيفات والمكفوفين، وبدأت العمل من شقة إيجار صغيرة بشارع عبد السلام عارف، لم تكن مجرد مقر عادي، بل كانت بذرة مشروع إنساني أصبح لاحقا أحد أهم صروح رعاية المكفوفين في مصر.
وبإصرار لا يلين وعطاء لا يعرف حدودًا، تحول ذلك المكان الصغير إلى صرح متكامل يضم مدرسة للبنين والبنات على مساحة تقارب فدانا ونصف الفدان، مع إقامة داخلية، لتصبح أول مدرسة في مصر توفر إقامة كاملة للمكفوفين من الجنسين إلى جانب العملية التعليمية.
ولم ترزق الحاجة عواطف بأبناء، لكنها وجدت أبناءها في وجوه المكفوفين الذين احتضنتهم كأم قبل أن تكون مسؤولة، حيث أنفقت كل ما تملك عليهم، بل وفرضت على عائلة العقاد تبرعا سنويا يقترب من نصف مليون جنيه لصالح الجمعية.
أدق التفاصيل الإنسانية
وكانت تهتم بأدق التفاصيل الإنسانية؛ فعندما رفض أحد صناديق الدعم صرف وجبة إضافية للأبناء، قالت عبارتها الخالدة التي تكشف معدنها النبيل:« مين يستحمل ذنب ولد أو بنت احتاجوا أكل بالليل وما لاقوش؟».
وتكفلت من مالها الخاص بتوفير وجبة يومية بعد العشاء لجميع الأبناء، وهي خدمة لم يفكر فيها كثير من أولياء الأمور داخل بيوتهم.
وبحسب خالد أبو الشيخ، مدير المكتب الفني بمديرية التضامن الاجتماعي، فإنه خلال إحدى جولاتها داخل المؤسسة، اصطدم بها طفل كفيف كان يجري، فسقطت وأصيبت بكسور في القدم والساق، ورغم الألم كان أول ما قالت:« ما تقولوش للولد.. حرام يزعل على نفسه»
وأضاف أبو الشيخ أنه بعد وفاة زوجها، قامت بتأجير عيادته وخصصت كامل دخلها لصالح الجمعية، استمرارا لرسالتها الإنسانية التي لم تتوقف يوما، كما كانت تتكفل شهريا بعدد كبير من الأسر في بني سويف، لا يعلم عددهم أحد سوى هي ومن كانوا يوصلون الكفالات بتوجيهها.
وفي سياق متصل، نعى الدكتور محمد هاني غنيم، محافظ بني سويف، الفقيدة ببالغ الحزن والأسى، داعيا المولى عز وجل أن يتغمدها بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنها فسيح جناته.
كما تقدم المحافظ بخالص التعازي والمواساة لأسرة الراحلة، مؤكدًا أنها كانت نموذجًا للتفاني والإخلاص، ورمزا من رموز العمل الاجتماعي والأهلي، وقد وهبت حياتها لخدمة واحدة من أهم فئات المجتمع من أبنائنا من ذوي الهمم.
