العلاقات بين مصر وتركيا لم تعد مجرد ملف سياسيى أو اقتصادي يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل أصبحت قضية رأى عام، ومجالًا رحبًا للتفكير في مستقبل المنطقة العربية والشرق الأوسط بأكمله، فنحن أمام بلدين كبيرين لكل منهما ثقل حضاري وجغرافي، وإذا أحسنا إدارة هذه العلاقة بعقلية جديدة، فمن الممكن أن تتحول إلى نموذج استراتيجي غير مسبوق.
فلقد اعتدنا أن نسمع عن حجم التبادل التجاري الذي بلغ نحو 9 مليارات دولار وخطط لرفعه إلى نحو 15 مليار دولار بحلول 2028، لكن الحقيقة تقول: إن الأرقام وحدها لا تكفي، فالمطلوب هو أن نخرج من الصندوق التقليدي، وأن نبحث عن مسارات جديدة للتعاون بين البلدين الكبيرين، حتى نتمكن من صنع الفارق في حياة المواطنين ومعيشتهم، ونقدم إضافة حقيقية لاقتصاد الدولتين معًا.
مصر من الممكن أن تكون مركزًا لتجميع المنتجات التركية وتصديرها إلى أفريقيا، بينما تركيا لديها خبرة صناعية واسعة ومتقدمة، فإذا اجتمع الطرفان في مشروعات تصنيع مشترك، سيكون في إمكان الدولتين خلق سوقًا ضخمة تتجاوز حدودهما لتغزو الأسواق الأفريقية والأوروبية والأسيوية والعربية أيضًا.
كما أن التعاون المطروح في الطاقات التقليدية والجديدة والمتجددة والنووية كذلك، سيكون نقطة تحول كبيرة، لا سيما الطبيعية الجغرافية المصرية التى تمتلك مساحات شاسعة ومترامية الأطراف في إقليم الصعيد وسيناء تصلح بالضرورة لأن تكون مزارع للرياح والطاقة الشمسية، وفي المقابل نجد تركيا لديها خبرات متطورة في إدارة مثل هذه المشروعات المستقبلية المهمة، فإذا تمكنا من تنفيذ مشروع ضخم لتوليد الكهرباء وتصديرها عبر الربط الإقليمي، سيكون ذلك إنجازًا استراتيجيًا تاريخيًا.
وعلى الصعيد التكنولوجي، لماذا لا ننشئ حاضنات أعمال مشتركة بين القاهرة واسطنبول؟ وأيضًا شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي، خاصة أن تركيا دولة تمتلك منصات قوية ومصر لديها سوق ضخمة وطاقات شبابية تحتاج إلى فرصة.
ومن الناحية الثقافية، من الممكن إنتاج أعمالًا فنية تجمع نجوم البلدين، والتى ستلقي رواجًا عالميًا وإقليميًا كبيرًا، وأيضًا نستطيع تصميم برامج سياحة مزدوجة تجمع بين مصر وتركيا في باقة واحدة تستهدف السائحين في الدول الآسيوية والأوروبية.
أما الزراعة، فالأمن الغذائي أصبح تحدٍ أمام مختلف دول العالم، ومصر لديها أراضً جديدة تحتاج إلى معدات وأجهزة متطورة فى الرى والزراعة، وتركيا لديها هذه التكنولوجيا، وعلى هذا يمكن تأمين احتياجاتنا من الغذاء والتصدير للأسواق الأخرى.
إذن، فالعلاقات فرصة لإعادة صياغة مفهوم الشراكة لصناعة مستقبلا مختلفا، فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على مصر وتركيا أن يتعاونا، لكن المستقبل يحتاج إلى شجاعة التفكير خارج الصندوق، فإذا امتلكنا هذه الشجاعة سنكتب فصلًا جديدًا عنوانه: «شراكة استراتيجية شاملة».