تمثل الزيارة الحالية للرئيس رجب طيب أردوغان وحرمه إلى مصر تحولاً لافتاً في مسار السياسة الإقليمية، بفضل التوقيت والتفاصيل، ويتقدم الرئيس التركي وفد رفيع المستوي يضم عشرات الوزراء و المسئولين الرسميين ورجال الصناعة والأعمال في دلالة علي تقديم لغة التعاون والمصالح المشتركة على حساب الخطابات الأيديولوجية التي ارتبطت سابقاً بـ"أحلام الخلافة".
فالدول الكبرى في الإقليم لم تعد تدار بالشعارات، بل بحسابات المصالح المشتركة ، في الاقتصاد، الأمن، والاستقرار، وهو ما تعكسه عودة التنسيق المصري-التركي عبر الأطر المؤسسية والشراكات الاقتصادية، في نموذج يرسخ منطق الدولة الوطنية ويعيد تعريف النفوذ على أساس التنمية لا الهيمنة .
و لا يمكن قراءة مشهد التقارب المصري التركي الحالي بمعزل عن حسابات المصلحة المشتركة للطرفين، وهو ما عكسه خطاب الرئيسين سواء في الكلمات الافتتاحية بقصر الاتحادية أو في ختام منتدى الأعمال المصري-التركي بفندق الماسة بمدينة نصر. وقد حمل المشهد الرمزي لقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي للسيارة الكهربائية التي أهداه إياها الرئيس رجب طيب أردوغان، أثناء توجههما إلى المنتدى، رسالة سياسية واضحة تعكس تسارع تطور إدراك كل طرف لأهمية الآخر، وتقديم صورة جديدة للعلاقة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي
تدخل مصر هذه المرحلة من التنسيق من موقع قوة، مستفيدة من حجم سوقها، وموقعها الجغرافي، وقدرتها على أن تكون بوابة صناعية ولوجستية لتركيا نحو إفريقيا والشرق الأوسط مع الاستفادة من الخبرات التصنيعية التركية. وهو ما أعلن عنه الطرفان بالسعي لرفع حجم التبادل التجاري من 8 إلى 15 مليار دولار ، وهو ليس رقماً رمزياً، بل يعكس فرصاً حقيقية لزيادة الاستثمارات المباشرة، وتعميق التصنيع المشترك، وتوفير فرص عمل، وتعزيز موارد الدولة من العملة الصعبة، في وقت تعيد فيه مصر رسم خريطة أولوياتها الاقتصادية على أساس الشراكات لا التبعية.
في المقابل، تحقق تركيا من هذا التقارب مكاسب استراتيجية واقتصادية واضحة، أبرزها النفاذ المنظم إلى السوق المصري باعتباره أحد أكبر الأسواق في الشرق الأوسط وإفريقيا، ونقطة ارتكاز صناعية ولوجستية محورية تربط بين ثلاث قارات ،فالشراكة مع مصر تتيح لأنقرة توسيع صادراتها الصناعية، وإعادة تموضع شركاتها داخل سلاسل التوريد الإقليمية، مستفيدة من الاتفاقيات التجارية التي ترتبط بها القاهرة، خاصة مع الدول الإفريقية والأسواق العربية في ظل تعقد المشهد الأوروبي وتباطؤ معدلات النمو الغربي المستنزف من الحرب الروسية الأوكرانية .
من منظور استراتيجي، يعكس التقارب المصري–التركي تحولاً من منطق الصراع الأيديولوجي إلى إدارة المصالح عبر أدوات الدولة .
ولا شك أن جماعة الإخوان تعد من أكثر الأطراف تضرراً من هذا التحول، إذ تتلقى ضربات متتالية على المستويين السياسي والتنظيمي، مع تضييق متزايد على حركتها وأذرعها الاقتصادية، بما أدى إلى إضعاف قدرتها على المناورة والتأثير، وصولاً إلى تفكيك ما يعرف بعقلها السياسي وإعادة تحجيم دورها في المشهد الإقليمي.
فبهذه الشراكة نجحت مصر في إعادة ضبط علاقاتها الإقليمية دون المساس بثوابتها، بينما أعادت تركيا تموضعها ضمن توازنات أكثر واقعية. هذا التقاطع لا يقوم على توافق فكري، بل على حسابات الاقتصاد السياسي وأمن الإقليم، بما يجعل التعاون القائم اليوم بديلاً عملياً لأحلام الهيمنة، وخياراً ضرورياً لاستقرار المنطقة .