عاجل

لم يعد الوجود الأجنبي في إفريقيا يُقاس بعدد القواعد العسكرية أو الجنود المنتشرين على الأرض، بل بحجم الديون المسجلة في دفاتر وزارات المالية. فبعد عقود من الاستعمار العسكري المباشر، دخلت القارة مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، يمكن وصفها بالاستعمار المالي، حيث تُدار الدول عبر القروض، وتُقيَّد قراراتها الاقتصادية بشروط الدائنين، ويُعاد تشكيل سياساتها العامة تحت ضغط أرقام الدين لا تحت فوهات البنادق.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن إجمالي الدين الخارجي لإفريقيا تجاوز 1.1 تريليون دولار، بعد أن كان أقل من 300 مليار دولار في بداية الألفية. هذا الارتفاع السريع لم يكن نتيجة تنمية صناعية كبرى أو طفرة إنتاجية، بل جاء في معظمه لتمويل عجز الموازنات، ومشروعات بنية تحتية غير مكتملة، وسداد ديون قديمة بديون جديدة، في حلقة مفرغة تُعيد إنتاج التبعية بدل كسرها.
في دول مثل زامبيا، التي تُعد مثالًا صارخًا، تجاوز الدين العام 120٪ من الناتج المحلي الإجمالي قبل إعلان التعثر عن السداد في 2020. ورغم امتلاك البلاد لواحد من أكبر احتياطيات النحاس في العالم، وجدت نفسها عاجزة عن دفع فوائد الديون، بينما تذهب عائدات التعدين لشركات أجنبية، وتُستخدم القروض لسد فجوات قصيرة الأجل بدل بناء قاعدة إنتاجية طويلة المدى. هنا تتحول الثروة الطبيعية إلى ضمانة للدين، لا إلى مصدر رفاه للمواطن.
أما غانا، التي كانت تُقدَّم لسنوات كنموذج للاستقرار الاقتصادي، فقد قفز دينها العام إلى ما يزيد على 90٪ من الناتج المحلي الإجمالي، واضطرت إلى اللجوء مجددًا إلى صندوق النقد الدولي في 2022، مقابل برنامج تقشفي قاسٍ شمل خفض الدعم وزيادة الضرائب وتجميد التوظيف. النتيجة كانت تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات الفقر، بينما تُدار السياسات الاقتصادية من خارج الحدود تحت مسمى “الإصلاح”.
وفي كينيا، تضاعف الدين العام أكثر من ثلاث مرات خلال عقد واحد، ليتجاوز 80 مليار دولار، جزء كبير منه موجَّه لمشروعات بنية تحتية ممولة بقروض خارجية، أبرزها من الصين. ورغم أهمية هذه المشروعات، فإن عبء السداد بات يلتهم أكثر من 50٪ من إيرادات الدولة السنوية، ما يقلص الإنفاق على التعليم والصحة، ويجعل القرار الاقتصادي رهينة جداول السداد لا أولويات التنمية.
الدائنون الجدد يلعبون دورًا محوريًا في هذا التحول. فالصين وحدها تُعد من أكبر المقرضين لإفريقيا، حيث تمثل ما بين 15 إلى 20٪ من الديون الخارجية لبعض الدول، خاصة في شرق وجنوب القارة. في المقابل، لا تزال المؤسسات المالية الدولية والدائنون الغربيون يفرضون شروطًا تقليدية تقوم على التقشف والخصخصة، ما يجعل القارة محاصَرة بين نموذجين مختلفين في الشكل، متشابهين في النتيجة: تقييد السيادة الاقتصادية.
الخطير في هذا النموذج أن الديون لم تعد أداة تمويل، بل أداة حكم غير مباشر. فعندما تُجبر دولة على خفض دعم الغذاء أو الوقود، أو تأجيل الانتخابات الاجتماعية، أو فتح قطاعاتها الاستراتيجية أمام الخصخصة، فإن القرار لم يعد وطنيًا بالكامل. وهنا يتحول الاستعمار من وجود عسكري مكلف سياسيًا إلى نفوذ مالي أقل ضجيجًا وأكثر فاعلية.
الأزمة تتفاقم لأن جزءًا كبيرًا من القروض لا يُستثمر في قطاعات تولد دخلًا بالدولار، بل يُستهلك محليًا، بينما تُسدد الديون بعملات أجنبية. ومع تراجع العملات الوطنية في دول مثل نيجيريا ومصر وإثيوبيا، ترتفع كلفة السداد تلقائيًا، حتى دون زيادة فعلية في حجم الدين، ما يدفع الحكومات إلى مزيد من الاقتراض لسداد القديم، في دوامة يصعب الخروج منها.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في الاقتراض ذاته، بل في نموذج التنمية القائم على الديون بدل الإنتاج. فإفريقيا لا تعاني نقص الموارد، بل تعاني من غياب السياسات التي تحول هذه الموارد إلى قيمة مضافة محلية. ومع استمرار هذا المسار، يصبح الاستعمار المالي أكثر رسوخًا من أي وجود عسكري سابق، لأنه يعمل بهدوء، عبر الأرقام والعقود، ويعيد تشكيل مستقبل القارة دون إطلاق رصاصة واحدة.
 

تم نسخ الرابط