عاجل

من خلال خبرتي العملية لأكثر من عشرين عامًا داخل القطاع الصحي الحكومي والخاص، وصلت لقناعة ثابتة لا تتغير،
الجودة ليست إمكانيات مالية، ولا أجهزة حديثة، ولا مبانٍ جديدة.
رأيت مستشفيات بإمكانيات محدودة جدًا، لكنها منظمة، آمنة، وتحترم المريض وتطبق بروتوكولات العمل السليمة
ورأيت أخرى أُنفِق عليها الكثير، لكنها تفتقد أبسط مفاهيم الجودة و النظام والاستمرارية.
الفرق لم يكن يومًا في “امكانياتنا ايه ”،
الفرق كان دايمًا في بنفكر إزاي وبنشتغل إزاي.
يعني إيه جودة أصلاً؟
الجودة في أبسط تعريفاتها:
إن المريض ياخد خدمة آمنة، محترمة، ثابتة، مهما كان اليوم صعب أو الزحمة شديدة فى اى وقت يحتاجها.
الجودة مش مبنى فخم، ومش استقبال ملكى ، ومش نظام الكترونى،
ومش غرف فندقية .
الجودة مبنى آمن ، واستقبال محترم ، ونظام تسجيل واضح ومثبت، وغرف نظيفة ومتابعة دورية 
الجودة سلوك يومي،
ونظام شغل واضح،
واحترام لأدوار الناس وحدودها .
ليه القطاع الحكومي مهم؟ وليه الناس لسه بتثق فيه وتلجأ له؟!!!
رغم كل التحديات وضعف الإمكانيات الا أن  المستشفيات الحكومية – خصوصًا التعليمية – ما زالت الملاذ الحقيقي لقطاع واسع من الناس.
الناس بتثق فيها لأنها:
فيها خبرات متراكمة
فيها تعامل مع الحالات الصعبة والمعقدة
فيها طبيب بيتعلم وبيشتغل وبيشوف كل حاجة ، فيها بتتجمع كل التخصصات.
وفيها إحساس إن “المكان ده مش بيختار مرضاه”
كتير من الناس، حتى القادرين، بيرجعوا للمستشفى الحكومي وقت الجد…
لأن الثقة مش دايمًا في الشكل العام والمظهر الحلو ولا الاقامة الفندقية ولا الأجهزة الحديثة.
الثقة في الإدارة ، فى الخبرة ، فى مهارة اللى بيستخدم الأجهزة  .
طب فين المشكلة؟
المشكلة إن الجودة في القطاع الحكومي اتفهمت غلط.
اتشافَت أنها رفاهية لمن يمتلك امكانيات ، وحمل زيادة لمن يمتلك وقت وطاقة، 
وكأنها حاجة “فوق الشغل”،
مش جزء منه.
وبقى السؤال الدائم:
نطبق إزاي وإمكانياتنا قليلة؟
والإجابة البسيطة:
نطبّق بشطارتنا، مش بإمكانياتنا.
إزاي نطبّق جودة بأقل الإمكانيات؟
نبدأ بالحاجات اللي مش محتاجة ميزانية:
تنظيم سير العمل قبل طلب موارد
توضيح المسؤوليات بدل تضاربها
تبسيط الإجراءات بدل تعقيدها
تدريب الناس على “إزاي يشتغلوا صح” مش “يحفظوا إيه”
ربط الجودة بسلامة المريض، مش بالخوف من التقييم
حاجات بسيطة، لكنها بتعمل فرق حقيقي ومستمر.
الشاطرة تغزل برِجل حمار
وده مش استهانة بالإمكانيات،
لكن اعتراف إن الشطارة الحقيقية هي إنك:
تشوف المتاح
تفهم الواقع
وتطلع أفضل نتيجة ممكنة من غير تبرير ولا شماعات
الجودة في المستشفيات الحكومية شغل شاطرين…
شغل ناس فاهمة إن الرسالة أكبر من الإمكانيات،
وإن النظام الصح يخلّي القليل يكفي.
الخلاصة
الجودة مش رفاهية،
ومش مشروع مكلف،
ومش حلم بعيد.
الجودة اختيار…
إننا نشتغل صح،
حتى وإحنا متعبين،
حتى وإحنا مضغوطين،
حتى وإمكانياتنا محدودة

تم نسخ الرابط