وسطية الأشاعرة: لماذا يعد امتدادا لمنهج السلف الصالح وحائط الصد ضد الغلو؟
يواصل العلماء من العالم العربي والإسلامي، الدفاع عن المدرسة الأشعرية ضد الهجمة التي تتعرض لها من قبل بعض التيارات، حيث أكد الدكتور ضاري الظفيري، إن المدرسة الأشعرية تمثل في تاريخ الفكر الإسلامي تيار "الوسطية الكبرى" الذي استطاع الجمع بين النقل الصحيح والعقل الصريح، مشكلاً بذلك المظلة الأوسع لأهل السنة والجماعة عبر القرون.
وقال الظفيري في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»: «المتأمل في منهج الإمام أبي الحسن الأشعري يجد أنه لم يبتدع مذهباً جديداً، بل قام بتقنين وعرض معتقد السلف الصالح، مدافعاً عنه بلسان الحجة والبرهان».
الأشعري والانتماء الصريح لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل
ولفت إلى أنه من الحقائق التاريخية الراسخة التي سطرها الإمام الأشعري في كتابه الشهير "الإبانة عن أصول الديانة"، هي شدة تعلقه بمدرسة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل. فقد قطع الأشعري الطريق على كل من حاول فصله عن منبت السلف حين قال نصاً: "قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين".
وأوضح أن هذا النص الواضح يؤكد أن الأشعري رأى في الإمام أحمد الرمز الذي يمثل جادة الصواب، واعتبر نفسه جندياً في نصرة هذا المنهاج وتأصيله عقلياً لمواجهة شبهات المبتدعة.
منهج الأشعري: نصرة الحق وقمع البدعة
لم يكن منهج الإمام الأشعري مجرد نقل صامت، بل كان حركة فكرية نشطة للرد على كل من انحرف عن جادة السنة. وقد أكد الإمام تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" هذا الدور الريادي، مبيناً أن الأشعري كان هو "المقدم" في نصرة طريق السلف بعد الإمام أحمد، حيث استطاع بلغة عصره أن يفحم الخصوم ويثبت أركان العقيدة.
لقد وقف الأشاعرة سداً منيعاً في وجه تيارات متعددة:
1. المعتزلة والجهمية: الذين عطلوا الصفات ونفوا الرؤية وغلبوا العقل في غير محله.
2. الرافضة (الشيعة) والخوارج: في قضايا الصحابة والإمامة والتكفير بالذنوب.
3. المجسمة والمشبهة: الذين جسّموا الخالق وشبهوه بخلقه، فنزه الأشاعرة الله عن "الحيز والجهة والجسمية" التزاماً بقوله تعالى: "ليس كمثله شيء".
قاعدة "لا نكفر أحداً من أهل القبلة"
ونبه إلى أنه تتجلى قمة الإنصاف والوسطية في الموقف الشهير للإمام الأشعري الذي يقطع الطريق على تيارات التكفير المعاصرة. يروى عن تلميذه زاهر بن أحمد السرخسي أنه قال: "لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فقال: اشهد عليَّ فإني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف عبارات".
وأكد أن هذه العبارة أصبحت دستوراً في "الورع العقدي" عند الأشاعرة، حيث رسخوا قاعدة أن الإسلام الثابت بيقين لا يزول بالشك، وأن المسائل الاجتهادية في أصول الفروع لا تخرج المرء من الملة ما دام مقراً بالشهادتين ومعظماً للشعائر.
المذهب الذي ارتضته الأمة
وشدد على أن بقاء المذهب الأشعري كمرجعية كبرى للأزهر الشريف، والزيتونة، والقرويين، ومعظم معاهد العلم الشرعي، هو دليل على أنه المذهب الذي استطاع أن يوفق بين النص والعقل، وبين التنزيه والإثبات. إنه "طريق السلف الصالح" الذي يجمع ولا يفرق، ويحفظ عقائد المسلمين من الانزلاق نحو التشبيه أو التعطيل.



