تشريع مرتقب لتنظيم الاستخدام.. لماذا تحولت الشاشات إلى أزمة تهدد الأطفال؟
في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي والمجتمعي من التأثيرات المتزايدة لاستخدام الهواتف المحمولة، تشهد مصر تحركات حكومية لمناقشة مشروع قانون يهدف إلى تنظيم استخدام الموبايل، وذلك استجابة لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالات عيد الشرطة الـ74، بضرورة مواجهة الآثار السلبية للتكنولوجيا على الأطفال والشباب.
التحرك التشريعي أعاد فتح ملف شائك ظل لسنوات خارج إطار التنظيم، في وقت باتت فيه الهواتف الذكية جزءا لا ينفصل عن الحياة اليومية، ليس فقط كوسيلة تواصل، بل كأداة تعليم وترفيه وعمل، ما أدى إلى تداخل الأدوار، وخلق حالة من الاعتماد المفرط يصعب كسرها.
من الاستخدام إلى الاعتماد ثم الإدمان
لم تعد المشكلة في مجرد كثرة استخدام الهاتف، بل في التحول التدريجي من الاستخدام الطبيعي إلى الاعتماد النفسي، ثم إلى أنماط أقرب للإدمان.
مظاهر هذه الحالة باتت واضحة في صعوبة ترك الهاتف، التوتر عند الانفصال عنه، اضطراب النوم، وتراجع التفاعل الاجتماعي، خاصة بين الأطفال والشباب.
ويرى متخصصون أن هذه الظاهرة ليست وليدة ضعف فردي، بل نتاج بيئة رقمية مصممة لجذب الانتباه أطول وقت ممكن، في ظل غياب ضوابط واضحة، وتأخر التدخل المؤسسي، وافتقار المجتمع لبدائل حقيقية تنافس جاذبية الشاشة.
تشريع تحت الاختبار
ورغم أهمية مشروع القانون المرتقب، يطرح خبراء تساؤلات حول قدرته وحده على إنهاء الأزمة. فتنظيم استخدام الهاتف قد ينجح في ضبط السلوك داخل المدارس أو أماكن محددة، لكنه يظل عاجزا عن معالجة الاستخدام داخل المنازل، أو التأثيرات النفسية العميقة المرتبطة بالإنترنت ومواقع التواصل.
التشريع، وفقا لمختصين، يجب أن يكون جزءا من منظومة متكاملة، تشمل التوعية، والتعليم، والإعلام، وإعادة بناء العلاقة بين الطفل والتكنولوجيا، حتى لا يتحول القانون إلى إجراء شكلي يعالج العرض دون الجذور.
فراغ تربوي
في هذا السياق، تؤكد الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن أزمة التعلق بالهواتف ترتبط بشكل مباشر بغياب برامج الأطفال الهادفة، مشددة على أن مصر في حاجة ماسة إلى محتوى قوي وجميل يقوم بدور الرعاية والتوجيه والتثقيف، وهو ما صنعت به أجيال سابقة وعيها وقيمها.
وتوضح خضر في تصريحات لـ"نيوز رووم" أن غياب هذا المحتوى يترك فراغا كبيرا في وعي الطفل، يتم ملؤه بمحتوى عشوائي عبر الهواتف والإنترنت، مؤكدة أن الطفل يحتاج إلى محتوى إنساني جذاب يعلمه القيم الصحيحة، ويمنحه الشعور بالأمان والانتماء. وتشير إلى أن مصر تمتلك رصيدا حضاريا وثقافيا ضخما يمكن توظيفه في إنتاج برامج أطفال قادرة على حماية الوعي وبناء الشخصية.
متلازمات نفسية خلف الشاشة
من جانبه، يحذر الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، من ظهور متلازمات نفسية حديثة ناتجة عن الإفراط في استخدام الهواتف، أبرزها ما يعرف بـ"متلازمة عامل الفقاعة"، التي تمتد فيها ضغوط العمل والحياة الرقمية إلى كل تفاصيل اليوم، بما في ذلك ساعات النوم.
ويشير هندي إلى أن هذه الحالة تؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وتقلب المزاج والإرهاق، وقد تصل إلى مخاطر صحية جسيمة، مؤكدا أن دراسات عالمية ربطت بين الإفراط في استخدام الهاتف وأمراض القلب وتدهور الصحة العقلية والتفكير في الانتحار.
استعمار العقول بدل احتلال الأرض
بدورها، ترى الأستاذة الدكتورة سوسن الفايد، أستاذ علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن ما يحدث يتجاوز فكرة الإدمان الفردي، ليصل إلى مستوى أخطر يتمثل في إعادة تشكيل وعي الأجيال. وتصف الظاهرة بأنها انتقال من الاستعمار التقليدي القائم على السيطرة على الأرض، إلى استعمار جديد يستهدف العقول، ضمن ما يعرف بحروب الجيل الرابع والخامس.
وتحذر الفايد من شعور زائف بالأمان لدى بعض الأسر لانشغال الأبناء بالإنترنت، مؤكدة أن الخطر الحقيقي يكمن في تراكم أفكار وتوجهات غير مرئية قد تظهر آثارها لاحقا. وتشدد على أن التشريع وحده غير كاف، وأن الوعي والثقافة يمثلان خط الدفاع الأول، بينما القانون يأتي كملاذ أخير.
ما المطلوب؟
بين تشريع منتظر، وواقع رقمي متسارع، يرى الخبراء أن المواجهة الحقيقية تبدأ من بناء مشروع ثقافي وتربوي متكامل، يوفر بدائل جاذبة، ويعيد الاعتبار لدور الأسرة، ويضع التكنولوجيا في إطارها الصحيح كأداة، لا كبديل عن الحياة.