عاجل

تتكرر من آن لآخر عبارات عابرة في أحاديث عامة، قد تبدو في ظاهرها توصيفًا شخصيًا أو رأيًا ذاتيًا، لكنها تحمل في عمقها دلالات اجتماعية أوسع، وتفتح بابًا للنقاش حول مفاهيم الانتماء والطبقة والهوية. من بين هذه العبارات ما يضع مسافة مفتعلة بين الإنسان وأصوله، أو يُلمح إلى أن الانتماء للأرض والزراعة هو موقع أقل شأنًا من غيره، وهو تصور يحتاج إلى مراجعة هادئة وعادلة.
الغيطان في الوجدان المصري ليست مجرد مهنة أو جغرافيا، بل هي أصل الحكاية وبداية التكوين. هي المكان الذي تشكّلت فيه الشخصية المصرية عبر قرون من العمل والصبر والاحتمال. منها خرجت عقول مستنيرة أسهمت في بناء الفكر والعلم، ومنها خرج قادة ورجال دولة، وعلماء وفنانون، وجنود حملوا أرواحهم على أكفهم دفاعًا عن الوطن. هذه ليست شعارات رومانسية، بل حقائق موثقة في تاريخ مصر الحديث والقديم.
الريف لم يكن يومًا عائقًا أمام الرقي، بل كان في كثير من الأحيان بوابته الأولى. ففي الغيطان تعلّم الإنسان معنى المسؤولية المبكرة، واحترام العمل، والارتباط بالأرض، والاعتماد على الذات. وهي قيم لا تقل أهمية عن أي تعليم نخبوي أو نمط حياة مديني. بل إن كثيرًا من أبناء الريف حين انتقلوا إلى مواقع متقدمة في المجتمع، حملوا معهم هذه القيم فصارت سرّ تميزهم لا عبئًا عليهم.
كما أن الغيطان لم تُنجب فقط أصحاب المناصب والأسماء اللامعة، بل أنجبت العمود الفقري لهذا الوطن: الفلاح الذي ينتج الغذاء، والعامل الذي يشقى في صمت، والجندي الذي يعرف معنى البارود الحقيقي في ساحات الدفاع لا في إطار الهواية أو الترف. هؤلاء لم يطلبوا أضواءً ولا ألقابًا، لكنهم صنعوا الاستقرار الذي سمح لغيرهم أن يبدع ويتقدم.
الحديث عن “الأرستقراطية” بمعناها الاجتماعي الضيق قد يُفهم أحيانًا بوصفه تميزًا شكليًا مرتبطًا بالأسرة أو نمط العيش، بينما الحقيقة أن الأرستقراطية الأعمق هي أرستقراطية القيم: الشرف، والكرم، واحترام الآخر، والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع. وهذه القيم كانت ولا تزال متجذرة بقوة في ثقافة الغيطان وأهلها.
ليس المطلوب من أحد أن يتخلى عن أسلوب حياته أو خياراته الشخصية، فالتنوع سمة صحية لأي مجتمع. لكن الخطاب العام يظل مسؤولًا عن عدم تكريس صور نمطية أو إيحاءات تنتقص من فئات بعينها. فالمجتمع المصري، بتكوينه المتعدد، لا يحتمل تقسيمًا قيميًا بين “أعلى” و“أدنى” على أساس الأصل أو الجذور.
في النهاية، تبقى الغيطان رمزًا للعطاء المستمر، ومصدرًا أصيلًا للنبل الحقيقي. وأهلها، بما يحملونه من صبر وكرامة واعتزاز بالنفس، لا يحتاجون إلى شهادة من أحد. فالجذور الراسخة لا تُختصر في عبارة، ولا تُهان بتلميح، لأنها ببساطة أساس الشجرة كلها.

تم نسخ الرابط