عاجل

45 مليار دولار.. كيف تدير مصر ملف الأموال الساخنة دون تكرار أزمة 2022؟

كيف تدير مصر ملف
كيف تدير مصر ملف الأموال الساخنة

عاد ملف الأموال الساخنة إلى صدارة المشهد الاقتصادي في مصر، مع وصول حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي إلى نحو 45 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تاريخي تسجله السوق المصرية، ما يعكس جاذبية العائد المرتفع واستعادة قدر من الثقة في الاقتصاد المحلي.

دعم احتياطي النقد الأجنبي

هذا التدفق الكبير أسهم في دعم احتياطي النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط على سوق الصرف، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول مدى الاعتماد على استثمارات قصيرة الأجل بطبيعتها سريعة الخروج، وتأثير ذلك على استقرار الاقتصاد الكلي، خاصة في ظل تقلبات الأوضاع العالمية وأسعار الفائدة الدولية.

تدفقات قوية خلال فترة زمنية قصيرة

ومن جانبه قال الدكتور علي الإدريسي الخبير الاقتصادي إن ملف استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومي، عاد إلى صدارة الجدل الاقتصادي، في ظل الارتفاع القياسي لما يُعرف بـ«الأموال الساخنة» في السوق المصري، بعد أن اقترب حجمها من نحو 45 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 13.6 مليار دولار فقط في فبراير 2024، ما يعكس تدفقات قوية خلال فترة زمنية قصيرة.

وأوضح الإدريسي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن هذه التدفقات أسهمت بشكل مؤقت في دعم احتياطي النقد الأجنبي وتخفيف الضغوط على سوق الصرف، خاصة في فترات التذبذب، كما ساعدت الحكومة على تلبية جانب من احتياجاتها التمويلية المحلية، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما جعل أدوات الدين المصرية من بين الأعلى عائدًا في الأسواق الناشئة.

وأشار الإدريسي، إلى أن حصة الأجانب ارتفعت إلى نحو 45% من إجمالي سوق أذون الخزانة، وهو ما يعكس قوة الإقبال، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن ارتفاع درجة الاعتماد على مستثمرين قصيري الأجل، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية على الاستقرار المالي.

وأضاف الخبير الاقتصادي، أن طبيعة الأموال الساخنة، رغم أهميتها في توفير السيولة، تظل مرتبطة بتحركات أسعار الفائدة العالمية ومستويات المخاطر الدولية، ولا تعكس بالضرورة تحسنًا هيكليًا في الاقتصاد الحقيقي، محذرًا من أن أي تغير مفاجئ في الأوضاع المالية العالمية أو تصاعد للتوترات الجيوسياسية قد يدفع هذه التدفقات إلى الخروج السريع، بما يشكل ضغطًا مباشرًا على سوق الصرف.

واستدعى الإدريسي، تجربة عام 2022، حينما خرجت تدفقات تُقدّر بنحو 20 مليار دولار في فترة وجيزة، عقب تشديد السياسة النقدية الأمريكية واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ما أدى إلى تراجع الاحتياطي الأجنبي وفرض ضغوط حادة على الجنيه المصري وارتفاع معدلات التضخم، مؤكدًا أن هذه التجربة لا تزال درسًا مهمًا في إدارة هذا النوع من الاستثمارات.

وأكد الخبير الاقتصادي أن الدولة تتعامل حاليًا مع الأموال الساخنة باعتبارها مصدر دعم مؤقت، من خلال عدم توجيهها لتمويل مشروعات طويلة الأجل، وتعزيز مرونة سعر الصرف لامتصاص الصدمات، والعمل على إطالة آجال الدين وتقليل الاعتماد على الأذون قصيرة الأجل، بالتوازي مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأكثر استقرارًا.

قد يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف

وحذر الإدريسي، من أن تضخم حجم هذه التدفقات يزيد من حساسية الاقتصاد لأي خروج مفاجئ، بما قد يؤدي إلى تقلبات في سعر الصرف، وضغوط تضخمية، وتقييد السياسة النقدية، نتيجة الحاجة إلى الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترات أطول، مشددًا على ضرورة إدارة هذا الملف بحذر للحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي.

أكدت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، أن وصول حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية، المعروفة بـ«الأموال الساخنة»، إلى نحو 45 مليار دولار بنهاية عام 2025 يُعد مؤشرًا إيجابيًا على استعادة الثقة في الاقتصاد المصري، مشيرة إلى أن هذه التدفقات تختلف جذريًا عن تلك التي شهدتها البلاد قبل أزمة عام 2022.

وأوضحت الدماطي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن إدارة البنك المركزي لهذه التدفقات أصبحت أكثر احترافية وحذرًا، خاصة منذ تولي حسن عبد الله قيادة السياسة النقدية، حيث جرى ربط آجال استحقاق الأموال الداخلة باستخداماتها الفعلية، بما يمنع تكرار سيناريو الخروج المفاجئ الذي حدث عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

الأموال الساخنة

وأضافت أن الأموال الساخنة تُدار حاليًا باعتبارها موردًا قصير الأجل، يتم توجيهه لتمويل احتياجات قصيرة الأجل مثل التبادل التجاري وسداد الالتزامات القريبة، مع الالتزام بعدم استخدامها في تمويل مشروعات طويلة الأجل، وهو ما يقلل من تأثير أي خروج محتمل لهذه التدفقات.

وشددت الخبيرة المصرفية على أن التخوف من تكرار أزمة 2022 لم يعد مطروحًا بنفس الحدة، في ظل اختلاف آليات الإدارة الحالية، مؤكدة أن ربط مدة الاستثمار بمدة الاستخدام مكّن الدولة من امتصاص أي تحركات دون إحداث صدمة في سوق الصرف أو الاحتياطي النقدي.

مصر وتركيا أصبحتا من أبرز الأسواق الناشئة

وحول أسباب التدفقات القياسية، أوضحت الدماطي أن تراجع الدولار عالميًا، واشتداد الاضطرابات الجيوسياسية، دفع الصناديق الاستثمارية العالمية إلى البحث عن أسواق ناشئة ذات عائد مرتفع ومخاطر أقل، مشيرة إلى أن مصر وتركيا أصبحتا من أبرز هذه الوجهات.

وأشارت إلى أن الصناديق الأجنبية تعتمد على ما يُعرف بـ«الكاري تريد»، عبر الاقتراض من دول منخفضة الفائدة مثل اليابان، وإعادة توظيف هذه الأموال في أسواق توفر عوائد مرتفعة، وهو ما يجعل أدوات الدين المصرية جاذبة في المرحلة الحالية.

خفض مستوى المخاطر بشكل كبير

وأكدت أن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر خلال السنوات الماضية ساهمت في خفض مستوى المخاطر بشكل كبير، لافتة إلى أن مؤشرات المخاطر السيادية تراجعت من مستويات مرتفعة إلى معدلات أكثر أمانًا، إلى جانب تمتع مصر بسجل تاريخي منتظم في سداد التزاماتها المالية، مؤكدة على أن الإدارة الحالية نجحت في تحويل الأموال الساخنة من مصدر محتمل للمخاطر إلى أداة دعم مؤقتة دون الإضرار بالاستقرار المالي، مشددة على أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية هو الضمان الحقيقي للحفاظ على هذا التوازن.

تم نسخ الرابط