الأزهر يشيد بمبادرة متطوعين مسلمين ومسيحيين لمأوى للمشرّدين خلال عاصفة بأمريكا
قبل ساعات من هبوط درجات الحرارة في شمال ولاية تكساس إلى ما دون الصفر مساء الجمعة الماضية، كان متطوعون مسلمون ومسيحيون يعملون على قدم وساق لتوفير مأوى دافئ للمشردين في المنطقة الذين لا يجدون مكانًا يأوون إليه في هذه العاصفة الشتوية القاسية.
وبدأت فرق العمل المتطوعة بتحويل صالة الألعاب الرياضية في مركز إيست بلانو الإسلامي (EPIC) إلى مأوى ليلي، حيث فُرشت أرضية ملعب كرة السلة بأغطية بلاستيكية، ونُصب قرابة 160 سريرًا معدنيًا، مع تجهيز ملابس متبرع بها، وتجهيز طاولات وكراسٍ، ووضع مستلزمات الطعام، استعدادًا لاستقبال المستفيدين في تمام الساعة السادسة والنصف مساءً لتناول العشاء.
ويُعد هذا العام الثامن على التوالي الذي يتعاون فيه ائتلاف من دور العبادة في مدينة بلانو لإدارة "محطة بلانو للتدفئة الليلية"، وهي المأوى الليلي الوحيد الذي يستقبل الأشخاص المشردين في المدينة بجانب هؤلاء الذين تُرسلهم مدينة آلن المجاورة، التي لا تمتلك مأوى ليليًا خاصًا بها.
ويفتح المأوى أبوابه كلما أظهرت توقعات الطقس انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون التجمد ليلًا، أو أقل من 40 درجة فهرنهايت مع ارتفاع احتمالية سقوط الأمطار. ومع توقع استمرار موجة البرد القارس لأكثر من 80 ساعة، مصحوبة بالأمطار والثلوج، تعمل سبع فرق من المتطوعين من مركز إيست بلانو الإسلامي وعدد من الكنائس، من بينها كنيسة بلانو المعمدانية الأولى وكنيسة كستر رود الميثودية المتحدة، بنظام المناوبات للحفاظ على تشغيل المأوى على مدار الساعة.
تصريحات المتطوعين المسلمين والمسيحيين
وقال ديني بيرن، أحد رعايا كنيسة سانت إليزابيث آن سيتون الكاثوليكية، الذي يشارك في العمل التطوعي منذ انطلاق المبادرة عام 2018، إن ما يقومون به هو "عمل نابع من المحبة".
الجدير بالذكر أن المأوى مجهّز ومؤمن تمامًا، حيث تتوفر ليلًا عناصر من الشرطة والمسعفين لدعم المتطوعين، فيما تخصص بلدية بلانو نحو 30 ألف دولار سنويًا لتعويض تكاليف الطعام والمستلزمات. ويقدّر المتطوعون أن المركز الإسلامي ودور العبادة الشريكة تنفق مجتمعة نحو 20 ألف دولار إضافية سنويًا لضمان استمرار تشغيل المأوى.
من جانبه، قال سمير صديقي، رئيس مجلس إدارة مركز إيست بلانو الإسلامي، إن الدافع لتحمّل دور أكبر في استضافة المأوى جاء بعد التداعيات القاسية للعاصفة الشتوية القاتلة عام 2021، حين أنشأ المركز خطًا ساخنًا لتلبية احتياجات السكان. وأضاف: "تلقينا مئات الاتصالات طلبًا للطعام والمياه والأدوية… كل ما يمكن تخيّله. كنا موجودين لتقديم المساعدة".
أما محمد القاسم، البالغ من العمر 32 عامًا، والذي يواجه التشرد منذ نحو شهر بعد خروجه من السجن، فقد أعرب عن امتنانه لتوفر مكان له في المأوى مع اشتداد الأمطار وانخفاض درجات الحرارة. وقال إنه يتنقل عادة بين دالاس وضواحيها، وينام أحيانًا في الشارع وأحيانًا في الملاجئ. وأضاف: "سواء كنت مسلمًا أوم مسيحيًا، الجميع هنا اجتمعوا حول معاناة الآخرين".
كسر الصور النمطية السلبية
من جانبه، يُشيد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف بهذه المبادرة الإنسانية التي جسّدها التعاون بين المسجد الإسلامي في مدينة بلانو وعدد من الكنائس والمؤسسات الدينية. ويؤكد المرصد أن هذا النموذج العملي من التضامن الإنساني العابر للأديان يعكس القيم المشتركة التي تجمع الأديان السماوية، وفي مقدمتها الرحمة، وصون كرامة الإنسان، وتقديم العون للمحتاجين دون تمييز.
ويثمّن المرصد الدور الإيجابي الذي اضطلعت به الجالية المسلمة في هذا السياق، بما يدحض الصور النمطية السلبية، ويبرهن على أن الدور الذي تقوم به دور العبادة لا يقتصر على أداء الشعائر الدينية، بل يمتد ليشمل خدمة المجتمع، وتعزيز السلم الاجتماعي، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة في أوقات الأزمات.
كما يؤكد مرصد الأزهر أن مثل هذه المبادرات تمثل ردًا عمليًا وفعّالًا على خطاب الكراهية والانقسام، وتبرز أن التعاون بين أتباع الديانات المختلفة هو السبيل الأنجع لمواجهة التطرف بجميع أشكاله، وبناء مجتمعات أكثر تماسكًا وإنسانية. ويدعو المرصد إلى تعميم هذه النماذج الإيجابية، ودعمها رسميًا ومجتمعيًا، بوصفها ركيزة أساسية لتعزيز التعايش والاحترام المتبادل بين مكوّنات المجتمعات المتعددة الثقافات.