الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. خبراء يكشفون السيناريو الأمريكي مع إيران (تقرير)
في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، تتجه أنظار العالم مجددًا إلى الشرق الأوسط مع تحركات عسكرية أمريكية متسارعة ورسائل سياسية مشحونة بالتحذير والردع، ووصول حاملات الطائرات الأمريكية إلى المنطقة أعاد طرح السؤال الأبرز: هل تقترب الولايات المتحدة من توجيه ضربة عسكرية لإيران، أم أن ما يجري لا يتجاوز كونه ضغطًا سياسيًا وحرب أعصاب لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات؟ بين التلويح بالقوة واستبعاد المواجهة الشاملة، تتشابك الحسابات العسكرية والسياسية في مشهد بالغ التعقيد، يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، أخطرها الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة لا يرغب فيها أي طرف.
التحركات العسكرية الأمريكية محدودة
قال اللواء محمد عبد الواحد، خبير الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية، إن ما يثار إعلاميًا حول حشد عسكري أمريكي واسع في إطار الأزمة الأمريكية الإيرانية يتسم بقدر كبير من المبالغة، موضحًا أن التحركات العسكرية القائمة حتى الآن ما زالت محدودة ولا ترقى إلى مستوى الاستعداد لتوجيه ضربة عسكرية مباشرة.
وأكد عبد الواحد في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن المفهوم العسكري لأي ضربة، سواء كانت محدودة أو حربًا مفتوحة، يتطلب حشدًا كاملًا للقوات ورفع درجات الاستعداد القتالي، وهو ما لم يحدث حتى اللحظة، مشددًا على أن سيناريو الحرب الشاملة مستبعد تمامًا في الوقت الراهن، كما أن توجيه ضربة عسكرية مباشرة يبدو غير مرجح في هذه المرحلة.
وأوضح أن تحريك حاملات الطائرات الأمريكية إلى المنطقة يتم وفق إجراءات عسكرية معروفة، حيث ترافقها مدمرات وفرقاطات وغواصات لتأمينها، نظرًا للقيمة الاستراتيجية والرمزية العالية لحاملات الطائرات، لافتًا إلى أن أي استهداف لها يمثل ضربة قاصمة للهيبة العسكرية الأمريكية.
وأشار خبير الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية إلى أن تحركات حاملات الطائرات تحمل في الأساس رسائل سياسية أكثر من كونها استعدادات قتالية، معتبرًا أن واشنطن تستخدم ما يُعرف بـ«الردع المركب» أو «الردع الثنائي»، بهدف توجيه رسائل متعددة إلى طهران، في مقدمتها التحذير من التصعيد، ودفعها نحو تسوية سياسية وفق الشروط الأمريكية، مع التأكيد على أن أي ضربة – حال وقوعها – تكون مصحوبة برسائل غير معلنة تطالب بعدم الرد، وهو نهج اعتادت عليه الولايات المتحدة في تعاملها مع إيران.
احتواء إيران والسيطرة غير المباشرة على مضيق هرمز
وأضاف أن الهدف الحقيقي من هذا الحشد يتمثل في احتواء إيران والسيطرة غير المباشرة على مضيق هرمز، دون الوصول إلى حد إغلاقه أو احتلاله، نظرًا لما يمثله المضيق من شريان حيوي للاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تستطيع اتخاذ خطوة من هذا النوع لما تحمله من تداعيات دولية خطيرة.
وتابع اللواء محمد عبد الواحد أن واشنطن تتجه إلى فرض نوع من الحصار البحري «المقنن» على إيران، لكن دون استخدام مصطلح الحصار بشكل مباشر، لغياب المبررات السياسية والقانونية، موضحًا أن هذا الإجراء قد يُقدَّم تحت مسميات مثل «الاحتواء» أو «الرقابة البحرية»، بما يمنح التحركات الأمريكية غطاءً شرعيًا.
وأكد خبير الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية أن هذا الأسلوب من الضغط سيؤدي إلى تشديد العزلة الاقتصادية على إيران، وزيادة أزماتها الداخلية، في إطار استراتيجية تعتمد على إحداث تغييرات من الداخل دون إطلاق رصاصة واحدة، سواء عبر الضغط الاقتصادي أو تأجيج الاضطرابات الداخلية، لافتًا إلى أن عسكرة المنطقة تفتح باب التفاوض، ولكن بشروط أمريكية قاسية، كما أن استمرار الضغوط قد يدفع إيران إلى القبول بتسويات لتفادي حرب مدمرة، مؤكدًا أن الضربة العسكرية – إن حدثت – ستكون محدودة ودقيقة ومرتبطة ببنك أهداف واضح، مع رسالة صريحة بعدم التصعيد، بينما تظل الحرب الشاملة خيارًا بالغ التكلفة تستبعده واشنطن تمامًا.
إسرائيل المحرض الرئيسي ضد إيران
وفي السياق ذاته، لفت اللواء عبد الواحد إلى أن إسرائيل بدأت تتراجع إعلاميًا وتلتزم الصمت، رغم كونها المحرض الرئيسي ضد إيران، إدراكًا منها أن أي ضربة وقائية ستجعلها الهدف الأول للرد الإيراني، سواء بالصواريخ أو المسيّرات، وهو ما قد يفرض عليها كلفة وجودية باهظة.
وأكد أن المجتمع الإسرائيلي لا يتحمل حروب الاستنزاف الطويلة، وأن غياب العمق الاستراتيجي يجعل أي ضربة صاروخية مؤثرة بشكل بالغ، موضحًا أن استمرار القصف لفترات طويلة كان من الممكن أن يهدد بقاء إسرائيل نفسها، في ظل طبيعة تركيبتها السكانية وقدرة مواطنيها على الهجرة إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، مؤكدًا على أن السيناريو الأقرب هو استمرار سياسة الاحتواء والضغط المركب على إيران، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، في ظل حسابات الكلفة والخسارة التي تحكم قرارات واشنطن وتل أبيب على السواء.
سياسة الضغط والردع السياسي
ومن جانبه قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن ما تشهده المنطقة حاليًا من تحركات عسكرية أمريكية، وعلى رأسها وصول حاملات الطائرات إلى الشرق الأوسط، لا يمكن تفسيره باعتباره تمهيدًا لضربة عسكرية وشيكة ضد إيران، بقدر ما هو جزء من سياسة الضغط والردع السياسي.
وأوضح فرج، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن أي عمل عسكري لا بد أن يكون له هدف واضح ومحدد، متسائلًا: «ما الهدف من توجيه ضربة جديدة لإيران الآن؟»، مشيرًا إلى أن الضربة السابقة التي استمرت 12 يومًا جاءت في إطار منع طهران من الوصول إلى السلاح النووي، أما اليوم فلا يوجد هدف عسكري جديد يبرر التصعيد.
سيناريو تغيير النظام الإيراني غير مطروح على الإطلاق
وأكد أن سيناريو تغيير النظام الإيراني غير مطروح على الإطلاق، قائلًا إن الولايات المتحدة تعلم جيدًا خطورة تكرار أخطاء سابقة، كما حدث في ليبيا بعد إسقاط القذافي دون وجود بديل جاهز، ما أدى إلى انهيار الدولة، لافتًا إلى أن: «المعارضة الإيرانية لا تمتلك وجودًا حقيقيًا في الشارع، وابن الشاه نفسه لا يملك أي شعبية، وهو ما يفسر رفض الرئيس الأمريكي مقابلته».
وشدد اللواء سمير فرج على أن كل ما يحدث حاليًا هو ضغط سياسي مكثف لإجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وفق ما يُعرف بسياسة “وضع الرأس تحت المقصلة”، موضحًا أن واشنطن تسعى لتحقيق ثلاثة مطالب رئيسية:
منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
تقليص مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية التي باتت تهدد عمق أوروبا ووصلت مؤخرًا إلى تل أبيب.
وقف دعم إيران لأذرعها المسلحة في المنطقة، مثل حزب الله والحوثيين وغيرهم.
تنفيذ ضربة عسكرية في الوقت الحالي مستبعد
وأضاف الخبير العسكري والاستراتيجي، أن تنفيذ ضربة عسكرية في الوقت الحالي مستبعد، لسبب رئيسي هو أن إسرائيل غير جاهزة لتحمل الرد الإيراني، خاصة بعد سقوط صواريخ داخل تل أبيب خلال التصعيد الأخير، ما دفع تل أبيب إلى تطوير منظومة القبة الحديدية. كما أشار إلى أن إسرائيل تمر بفترة انتخابات، ما يجعلها غير قادرة على تحمل كلفة تصعيد واسع.
وأكد اللواء سمير فرج أنه لا يتوقع وقوع ضربة عسكرية، معتبرًا أن كل التحركات والتصريحات الأمريكية، بما فيها تحذير الرعايا الأمريكيين من السفر للشرق الأوسط، تندرج ضمن حرب نفسية تستهدف إخافة إيران ودفعها للتفاوض، مشيرا إلى أن القلق الأمريكي الحقيقي لا يتعلق بإيران كدولة، بل بخطر تحولها إلى قوة نووية، لأن امتلاكها للسلاح النووي، إلى جانب صواريخها بعيدة المدى وأذرعها المسلحة في المنطقة، من شأنه أن يقلب موازين الأمن الإقليمي والدولي، كما يظهر بوضوح في أزمات مثل إغلاق باب المندب وسيطرة حزب الله على القرار في جنوب لبنان بدعم إيراني مباشر.