عاجل

جدل حول صيام شهر رمضان: هل كان توقيته ثابتًا؟.. أزهري يرد شبهات أحمد عبده ماهر

العشماوي وأحمد عبده
العشماوي وأحمد عبده ماهر

يواصل ما يسمى بالتيار التنويري شبهاته حول الثوابت الإسلامية ومنها صيام شهر رمضان، والذي يتبقى على أول أيامه 21 يوما وفق العد التنازلي لشهر رمضان 1447، فهل صيام شهر رمضان وتوقيته خاطئ بعد اعتماد سيدنا عمر للتقويم الهجري؟

شهر رمضان 1447
شهر رمضان 1447

شبهات أحمد عبده ماهر: أنتم تصومون شهرًا غير شهر رمضان!

يقول أحمد عبده ماهر تحت عنوان: (اسلامكم في خطر يا مسلمين): “فلقد شوه عمر بن الخطاب اسلامكم حينما أقام التقويم الهجري المهبول الذي لا يتقيد فيه بأيام النسيء لتتوازن الأشهر لذلك، فانتم تصومون شهرا غير شهر رمضان وتظنونه رمضان. وأفسد عليكم كل توقيتات الحج . وأفسد عليكم كل توقيتاتكم اسلاميه. فلا شعبان في يأتيكم في شعبان ولا رجب يأتيكم في رجب ولا الأشهر الحرم تأتيكم في الأشهر الحرم. كما أنكم تفطرون في نهار رمضان لأن الله سبحانه وتعالى أمركم أن تتموا الصيام إلى الليل بينما أنتم تفطرون حين أدان المغرب أو حين صلاه المغرب أو بمجرد اذان المغرب وهذه مصيبه”.

وتابع: “كذلك أراكم لا تعلمون شيئا عن معاني كلمات القران فما أحدكم يعلم الفرق بين الرحمن والرحيم ولا معنى إهدنا الصراط المستقيم ولا معنى كلمه سبحان حينما تقول سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الاعلى. ولا تعلمون كثيرا من معاني الكلمات مثل من شر غاسق اذا وقب ولا تعلمون معنى والذاريات ذروا والحاملات واقرا. ولا تعلمون قول المولى عز وجل ولا عاديات ضبحه ولا معنى كلمات كثيره جدا في القران بل ولم ياتيكم هاتف من الهدايه يدفعكم لان تعلموا هذا رغم كبر سنكم وعمركم الذي عشتموه في رحاب الاسلام ”.

وشدد: "يؤسفني ان مشايخكم يننقضون القرآن بمدونات الاحاديث فكيف تطمسون القطعي وهو القران بالظنى وهو الاحاديث، فأين اسلامكم هذا؟!»

وفي الرد على شبهة صيام شهر رمضان يقول محمد إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف: "بغضِّ النظر عن الأخطاء الفادحة، نحوا، ولغة، وإملاء، والتي لا يقع فيها طالب مبتدئ، في كلام المحامي أحمد ماهر، وإتقان اللغة والنحو ضروري للكلام في الدين؛ لأنه من أدوات فهمه؛ فإن هذا الكلام ينطلق من منطلق واحد، وهو ما ختم به الكلام من قوله: "ويؤسفني ان مشايخكم يننقضون القرآن بمدونات الاحاديث فكيف تطمسون القطعي وهو القران بالظنى وهو الاحاديث فأين اسلامكم هذا".

وتابع: “فهو هنا لا يؤمن إلا بالقرآن، وبالتالي فهو لن يؤمن بغير القرآن، وهي المعضلة الكبرى التي تواجهنا في الرد على هؤلاء! وسنحاول الرد عليه بالقرآن، مستضيئين بكلام من سبقنا من أهل العلم”.

التقويم الهجري الذي وضعه عمر بن الخطاب.. هل غيَّر توقيتات العبادات؟

يقول العشماوي: فزعمه أن التوقيت الهجري، الذي وضعه عمر بن الخطاب، غيَّر توقيتات العبادات كالصوم والحج، وهو يشير إلى أنها كانت ثابتة في أوقات محددة من السنة، وهذا بناء على ظنه أنها كانت بالتقويم الشمسي، فالتقويم الشمسي فقط هو الثابت، أما التقويم القمري أو الهجري، فتتغير معه مواقيت العبادات في جميع أوقات السنة، وهذا هو الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة ووقائع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أن شهر رمضان كان يصام برؤية الهلال، وينبني على هذا أنه كان يدور في فصول السنة، ولم يكن ثابتا كما هو الحال في الأشهر الميلادية.

وتابع: قد أكد القرآن الكريم أن الشهور والأعوام؛ إنما تعرف بسير القمر ومنازله. قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ). وأكد القرآن أيضا على أن عدد شهور السنة اثنا عشر شهرا. قال الله تعالى : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ).

قال القرطبي في [تفسيره]: :"هذه الآية تدل على أن الواجب تعليق الأحكام من العبادات وغيرها؛ إنما يكون بالشهور والسنين التي تعرفها العرب". وقال الطاهر بن عاشور في [التحرير والتنوير]: "والمراد بالشهور: الشهور القمرية، بقرينة المقام؛ لأنها المعروفة عند العرب، وعند أغلب الأمم، وهي أقدم أشهر التوقيت في البشر، وأضبطها؛ لأن اختلاف أحوال القمر مساعد على اتخاذ تلك الأحوال مواقيت للمواعيد، والآجال، وتاريخ الحوادث الماضية، بمجرد المشاهدة".

ودلت نصوص القرآن والسنة على أن الشهر إنما يعرف دخوله وخروجه برؤية الهلال. قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ).

وفي [الصحيحين] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: (لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ). فهذه الآية والحديث وغيرهما، تدل على أن المعتمد في دخول الشهور وانتهائها هو رؤية الهلال.

فينتج من كل ما مضى؛ أن السنة شرعا اثنا عشر شهرا، مقدرة بالقمر ومنازله، وليس بالشمس، والشهر يدخل برؤية الهلال، فتكون السنة التي شرعها الله للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعتمدها المسلمون في مواقيت عباداتهم ومعاملاتهم؛ هي السنة القمرية.

والسنة القمرية تنقص عن الشمسية بحوالي أحد عشر يومًا، وهذا يجعل الشهر القمري يتنقل بين فصول السنة، ولا يكون ثابتا أبدا.

وشدد: هذا التقويم لم يضعه عمر بن الخطاب - مع تحفظنا على وصفه له بالمهبول، وهي إساءة أدب، لا تليق بمنه يدعي أنه باحث - وإنما وضعه القرآن، وأناط به الأحكام الشرعية، وقرره النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع!

ففي [الصحيحين] وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان".

قال في [عون المعبود شرح سنن أبي داود] عند شرح هذا الحديث: "(إن الزمان قد استدار كهيئته).. أي دار على الترتيب الذي اختاره الله تعالى، ووضعه، يوم خلق السماوات والأرض، وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهراً؟ وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوماً، وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك، فجعلوا عاماً اثني عشر شهراً، وعاماً ثلاثة عشر؛ فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده، ويجعلون الشهر الذي أنسؤوه مُلغى، فتصير تلك السنة ثلاثة عشر، وتتبدل أشهرها، فيحلون الأشهر الحرم، ويحرمون غيره، فأبطل الله تعالى ذلك، وقرره على مداره الأصلي، فالسنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع؛ هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الزمان قد استدار) يعني: أمر الله تعالى أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت، فاحفظوه، واجعلوا الحج في هذا الوقت، ولا تبدلوا شهراً بشهر، كعادة أهل الجاهلية".

هل موعد شهر رمضان ثابت أم متغير؟

إذا رجعنا إلى حوادث السيرة النبوية - التي ضبط المؤرخون تواريخها - ثم قارنا بينها؛ سنخرج بنتيجة واحدة؛ هي أن شهر رمضان كان متنقلا بين فصول السنة، ومما يدل على ذلك أن غزوة بدر الكبرى كانت في 17 من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، الموافق 13 مارس (آذار) سنة 624م. وبعد ست سنوات وقع فتح مكة، وكان في يوم 20 من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة الموافق 10 يناير (كانون الثاني) سنة 630 م. وهذا يدل على أن شهر رمضان لم يكن شهرا ثابتا، بل كان ينتقل في فصول السنة. فبين الغزوتين (غزوة بدر الكبرى وغزوة فتح مكة) ست سنوات، فينقص التاريخ القمري عن التاريخ الشمسي في هذه السنوات الست 66 يوما تقريبا، وهو الفرق بين تاريخ الغزوتين فعلا.

وبهذا تتفق الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة مع حوادث التاريخ والسيرة النبوية، ويدل ذلك كله على أن شهر رمضان، وكذلك جميع الشهور القمرية؛ لم تكن ثابتة، بل كانت تنتقل في فصول السنة.

وما قلناه في الصيام نقوله في الحج، فالزعم بأن العرب قبل الإسلام، كانت تؤخر الحج كل سنة أحد عشر يوما، حتى لا يأتي الحج في وقت غير مناسب للسفر كالحر أو البرد الشديدين - استنادا إلى ما ذكره بعض المؤرخين - إلا أنه مجرد قول قد قيل، وليس هناك من الروايات الصحيحة ما يثبته.

وقد بنوا على هذا القول، أن حجة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في العام التاسع؛ كانت في شهر ذي القعدة، وهذا قول قد أنكره العلماء؛ إذ كيف يرسل الرسول أبا بكر والمسلمين للحج في غير ميقاته الشرعي؟، وقد أنزل الله تعالى قرآنا وصف فيه يوم النحر، ذلك العام، بأنه يوم الحج الأكبر، وهذا لا يكون إلا إذا كان الحج في موعده.

قال ابن كثير في [تفسيره]: "وكيف تصح حجة أبي بكر، وقد وقعت في ذي القعدة، وأنى هذا؟! وقد قال الله تعالى: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)، وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة؛ لما قال تعالى: (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَر)". وما قلناه في شهر الصيام وأشهر الحج؛ نقوله في سائر شهور العام.

موعد أذان المغرب
موعد أذان المغرب

هل الإفطار وقت أذان المغرب في رمضان يخالف القرآن؟

وأما الشبهة الثانية: فزعم أن المسلمين بإفطارهم وقت المغرب؛ يخالفون القرآن الذي أمرهم بإتمام الصيام إلى الليل، وفي الرد عليه يقول العشماوي: ونحن نرد عليه بالقرآن الذي يؤمن به، فإن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب تقرر أن معنى (إلى) في قوله: (ثم أتموا الصيام إلى الليل): أول جزء من الليل، وهو غروب الشمس.

ففي [تفسير الجلالين]:  "(ثم أتموا الصيام) من الفجر (إلى الليل) أي: إلى دخوله بغروب الشمس"

وفي [حاشية الصاوي عليه]: "قوله: (بغروب الشمس) أشار بذلك إلى أن الغاية - وهي حرف الجر (إلى) - غير داخلة في المُغَيَّا - وهو الدخول في الليل، لا في الجزء الأول منه فحسب - وإنما صيام جزء من الليل - يعني احتياطا - من باب ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب".  

وقال الطبري في [تفسيره]: "وأما قوله : {ثم أتموا الصيام إلى الليل}؛ فإنه - تعالى ذِكْره - حَدَّ الصوم بأن آخر وقته؛ إقبال الليل، كما حدَّ الإفطار، وإباحة الأكل والشرب والجماع، وأول الصوم؛ بمجيء أول النهار، وأول إدبار آخر الليل، فدل بذلك على أن لا صوم بالليل، كما لا فطر بالنهار، في أيام الصوم، وعلى أن المواصل مُجَوِّعٌ نفْسه في غير طاعة ربه، كما حدثنا هنَّاد، قال: ثنا أبو معاوية، ووكيع، وعبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل، وأدبر النهار، وغابت الشمس؛ فقد أفطر الصائم". انتهى.

وقال الطاهر بن عاشور في [التحرير والتنوير] في بيان سر اختيار القرآن حرف (إلى) في هذا الموضع، دون الحرف (حتى): "و (إلى الليل) غاية، اختير لها (إلى)؛ للدلالة على تعجيل الفطر، عند غروب الشمس؛ لأن (إلى) تمتد معها الغاية، بخلاف (حتى)، فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل".

وقد حكى النووي في [المجموع] الإجماع على ذلك، فقال: "ينقضي الصوم، ويتم بغروب الشمس، بإجماع المسلمين ..". ثم قال: " قال أصحابنا: "ويجب إمساك جزء من الليل، بعد الغروب؛ ليتحقق به استكمال النهار".

تم نسخ الرابط