عاجل

لم يفكر مارك زوكربيرغ وهو يقضي لياليه بين جدران جامعة هارفارد يعمل على تطبيق تواصل اجتماعي بين طلاب الجامعة، أن فكرته تلك والتي ستطور لاحقًا إلى "فيس بوك" ستؤسس ما بات يعرف بعصر التواصل الاجتماعي وهي البذرة التي خرجت منها شجرة "الذكاء الاصطناعي" التي نعيش في ظلها الآن، لكن تلك الثورة التكنولوجية والعصر الجديد كان له إشكالياته أيضًا واسئلته التي ظلت لسنوات طويلة بلا إجابات حقيقية.

 

أبرز تلك الأسئلة كانت متعلقة في الأساس بالأمن القومي للدول، فقديمًا كانت الأجهزة الأمنية تقضي سنوات وتنفق مليارات الدولارات لجمع بيانات عن شعب ما، أما الآن ووسط هذا الكم الهائل من البيانات إذ يستخدم 5.24 مليار شخص حول العالم منصات التواصل الاجتماعي وفق تقرير البنك الدولي 2025، أقول وسط كل ذلك كان السؤال: من سيملك "داتا" العالم بأكمله، علمًا أن معلومات كهذه كفيلة أن تدفع أي بلد للسيادة العالمية.


الأسئلة لم تتوقف عند ذلك، إذ أن الخوارزميات لا تسجل فقط ما تحب وترفض أو معلومات أين ولدت وما هو عملك، هي أيضًا يمكنها أن تغذيك بما تريد من معلومات، وهنا باتت الإشكالية أصعب لكن بما إن معظم المنصات تتبع في الأساس شركات أميركية لم تكترث الولايات المتحدة كثيرًا بتقديم إجابات ولم تجرؤ دول أخرى على مطالبة واشنطن بضرورة تقديم إجابات أيضًا.


لكن هذا الوضع تغير مع الصين، وتحديدًا منذ عام 2016 حين خرج إلى النور تطبيق "تيك توك" وبعد عقد كامل صار عدد مستخدميه 1.59 مليار شخص حول العالم، وهنا عادت الأسئلة مرة أخرى لكن هذه المرة الخصم مختلف، فمن يملك المعلومات بكين، ومن يستطيع تغذيتها بما يريد بكين، وأمام حالة كتلك لم تقف أمريكا مكتوفة الأيدي خاصة تحت رئاسة ترامب الذي أعلن منذ اليوم الأول له إن مشكلته الحقيقية هي الصين لا أي دولة أخرى.


ترجمة هذا الكلام عمليا اتضح خلال الساعات الأخيرة حين تمت صفقة بيع حصة تيك توك داخل أميركا لمجموعة شركات أميركية وخليجية ليصبح التطبيق الصيني أمريكيًا بالكامل داخل الولايات المتحدة، بداية من المحتوى ووصولًا إلى الخوارزميات التي تعمل على تغذيته والبيانات التي تسجل عليه، أما شركة بايت دانس الصينية والمالكة للتطبيق في الأساس لم يعد لها أي سيادة داخل القارة الأميركية.


الصفقة لم تتم من منطلق الربح والخسارة كعادة أي صفقة، ففي ولايته الأولى حذر ترامب من هذا التطبيق معتبرًا إياه خطر على الأمن القومي لبلاده إذ أن الصين من خلاله تملك بيانات ضخمة عن الشعب الأميركي ويمكن من خلال ذلك التلاعب بالمحتوي وغرس أفكار بعينها داخل عقول الشباب، وآنذاك لم تكن الخيارات كثيرة فإما بيع التطبيق وهذا بدا صعب جدًا أو حظره وهو ما هدد به دونالد ترامب أكثر من مرة.


في عام 2024 أقرّ الكونغرس الأميركي قانونًا يلزم شركة "بايت دانس" ببيع حصة التطبيق في الولايات المتحدة أو مواجهته بحظر كامل باعتباره جزء من سياسة تستهدف تطبيقات مملوكة لدول أجنبية "معادية"، وهو ما اتفق عليه عدد كبير من أعضاء الكونغرس تحت دعاوي حماية الخصوصية وتأمين الشباب من أي أفكار، وأمام خيارين كلاهما مُر اختارت الشركة الصينية بيع حصتها مقابل مبلغ تراوح بين 30-50 مليار دولار، ولتصبح غير مسئولة منذ تلك اللحظة عن كل ما يتعلق بالتطبيق الذي سيتولى إعادة هيكلته أمريكيون بما يتوافق مع سياسة بلادهم.


المثير أن تيك توك لن يكون نهاية المطاف، فبحسب القانون الذي تم إقراره، جاءت تلك الخطوة  كبداية لتطبيقات أخرى، بمعنى أن أي تطبيق لن يكون تابع لأمريكا ويحظى بشعبية كبيرة سيلقى نفس المصير تحت نفس الدعاوي ونفس الإجراءات لتسترد واشنطن عرش السيادة الرقمية الذي أصبح حِكرًا عليها على الأقل حتى الآن.

تم نسخ الرابط