من هم القرامطة ومن أين أتوا؟.. قصتهم وسرقتهم للحجر الأسود
سلط موقع وزارة الأوقاف الضوء على القرامطة كواحدة من أبرز الحركاتِ الثوريّةِ التي ظهرتْ في العصر العباسيّ، وقدِ انطلقتْ منَ الفكرِ الإسماعيليّ لكنّها سُرعان ما تَبَنَّتْ مسارًا سياسيًّا وعسكريًّا مثيرًا للجدل، تأسّست في منطقة البحرين بقيادة أبي سعيد الجنابي، وخلّفت أثرًا كبيرًا في تاريخِ الدولةِ الإسلاميّةِ من خلالِ تمرّداتها وعملياتها مثل نهبِ مكةَ، ونقل الحجر الأسوَدِ.
من هم القرامطة ومن أين أتوا؟
القرامطة جماعة سياسية مذهبية من طوائف الإسماعيلية، الذين يعتقدون في إمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويعتبر الحسن بن بهرام المعروف بأبي سعيد الجنابي هو المؤسس الحقيقي لدولة القرامطة في البحرين وما حولها، حيث قام مع أتباعه وأنصاره بالاستيلاء على عدة قرى، ثم قصد مدينة هجر - عاصمة البحرين آنذاك - فحاصرها لمدة سنتين حتى استسلمت له، ثم سار إلى القطيف فأخضعها لسلطانه سنة ٢٧٦هـ /٨٨٩م، وظهرت منذ ذلك العام دولة القرامطة في البحرين.
نظام الحكم
استطاع أبو سعيد إقرار النظام في دولته، وبني عاصمة جديدة هي الأحساء، فأضحت دولة قوية، امتد نفوذها إلى مناطق واسعة من الجزيرة العربية الشرقية حتى وصلت إلى الطائف وغيرها، وقامت بها حكومة وراثية بالاختيار في بيت أبي سعيد، ولم يتمكن أتباع القرامطة في غير هذه المنطقة من إقامة دولة، لا في الشام ولا العراق ولا اليمن.
ولا شك أن التطورات التي أحدثها أبو سعيد قد أثارت الخلافة العباسية، وحاولت التصدي لدولة القرامطة، ولكن دون نتيجة، فقد تمكن القرامطة من هزيمة جيوش الخلافة، وأُسِرَ القائد العباسي (العباس بن عمرو الغنوي)، واضطرب أمر البصرة لعجز العباسيين عن التصدي للقرامطة، وقد ظل ذلك حتى مقتل أبي سعيد على يد خادمه الصقلبي سنة ٣٠١هـ/٩١٣م.
أبو طاهر وجهوده
تولى سعيد بن الحسن بن بهرام الحكم بعد أبيه، وهو ابنه الأكبر، فعجز عن الأمر - كما يقول ابن الأثير-: "فغلبه أخوه الأصغر أبو طاهر سليمان، وكان شهمًا شجاعًا"، وقد قضى السنوات الأولى في تنظيم شئون دولته، ثم أخذ يَعِدُّ العدة لتوسيع نفوذه، فأيد الفاطميين في المغرب ضد العباسيين في المشرق، وناوش العباسيين مرارًا؛ ليشغلهم عن التوسع الفاطمي نحو مصر.
وقد هاجم البصرة أكثر من مرة، مما سبب لأهلها القلق والاضطراب، وفقدوا الكثير من أموالهم وممتلكاتهم، كما قام سنة ٣١٢هـ/٩٢٤م بقصد (الهبير) في طريق مكة؛ لاعتراض طريق الحجاج العراقيين فأزعجهم ونهبهم، وقد أثار ذلك الرأي العام في بغداد، وتظاهروا ضد الوزير أبي الحسين بن الفرات، صاحب النفوذ، وقد استغل أبو طاهر هذه الأحداث، وأرسل إلي الخليفة العباسي المقتدر بالله (٢٩٥- ٣١٩هـ/ ٩٠٧- ٩٣٢م)، يطلب منه تسليمه البصرة، ومساعدته في حصول دولته على احتياجاتها، ولم يوافق الخليفة على ذلك، وأثار عرب بني شيبان ضد القرامطة، وأرسل جيشًا للتصدي لأبي طاهر وقد هزم، ودخل أبو طاهر الكوفة ونهبها، وأحدث اضطرابًا في أهل بغداد والعراق لمدة ثلاث سنوات، وعجزت الخلافة عن التصدي له، حتى لقد فكر أهل بغداد في الهروب إلى حلوان وهمذان، في الوقت الذي سيطر فيه القرامطة على الأنبار، وهددوا بغداد نفسها، وزاد نشاط القرامطة في جنوب العراق حيث فرضوا دينارًا على كل فرد يحمل إلى هجر، وأيدتهم بعض القبائل العربية في العراق من بني سليم وبني عامر بن صعصعة.
ضعف الخلافة العباسية
قد أظهرت الأحداث ضعف الخلافة العباسية عن التصدي لنفوذ القرامطة المتزايد، والذي زاد منه قصد أبي طاهر مكة أيام الحج من سنة ٣١٧هـ / ٩٢٩م، حتى دخل مكة يوم التروية، وتَمَّ نهب أموال الحجاج، وقُتِلَ البعض في المسجد الحرام، وتجرأ أبو طاهر فأمر بقلع الحجر الأسود، وأرسله إلى هجر، كما قلع باب البيت، وأخذ كسوة الكعبة فقسمها على أصحابه، ونهب دور أهل مكة، وأقام الخطبة لعبيد الله المهدي الفاطمي (٢٩٧ - ٣٢٢هـ)، بدل المقتدر العباسي.
ومع شناعة هذه التصرفات التي عرَّضته للانتقاد اللاذع حتى من الخليفة الفاطمي الذي هدده، لم يَعُدْ الحجر الأسود إلى مكانه، رغم المطالب، وقد عرض الأمير بجكم خمسين ألف دينار مقابل عودته، ودون فائدة، وظل ذلك عدة سنوات، واحتُفِظَ به في هجر، وامتنع عن اعتراض طريق الحجاج، كما كُسِيت الكعبة في العام التالي، وهدأ الحال.
وهذا الهدوء شجع المسئولين في الدولة العباسية على كسب ودّ أبي طاهر، فعرض عليه محمد بن رائق - أمير الأمراء - اعتراف الخلافة العباسية به، وأنه سيرسل إليه كل سنة طعامًا ومالًا قدره مائة وعشرون ألف دينار، فرفض أبو طاهر هذا العرض.
وبعد حكم دام ٣١ سنة، كانت من السنوات المهمة في تاريخ دولة القرامطة، لظهور قوتها، واتساع نفوذها، وتهديد الخلافة العباسية، بعد هذا أصيب أبو طاهر بالجدري الذي مات به سنة ٣٣هـ/٩٤٤م.
الحسن الأعصم وتغيرات التوجه
انشغل القرامطة بأمورهم الداخلية بعد موت أبي طاهر، حتى تَغَّلب أحمد بن الحسن على مقاليد الأمور بمباركة فاطمية، وكانت سياسته أخف حدة من سابقه، فقد أعاد الحجر الأسود سنة ٣٣٩هـ /٩٥١م، ولكنهم تعرضوا لقوافل الحجاج ربما لأزمتهم الاقتصادية، وظروف منطقتهم، وقد ظل أحمد حتى سنة ٣٥٨هـ / ٩٦٨م، ثم تولى الحسن ابنه المعروف بالحسن الأعصم - أو الأغنم - الذي طالت مدته، وعظمت وقائعه، ووصلت الدولة في أيامه إلى أقصى مداها، وتغيرت علاقاته من عداء العباسيين إلى عداء الفاطميين، حتى إنه هدد وجودهم في مصر أكثر من مرة، ووضع الحسن يده على بلاد الشام مدة، وكانت الحرب بين القرامطة والفاطميين في مصر والشام شمالًا، وقد تمكن القرامطة من هزيمة الجيوش الفاطمية أكثر من مرة، وفي إحدى مغامراتهم انبثت سراياهم في الوجه البحري حتى وصلوا المحلة، وفي الوجه القبلي حتى وصلوا قوص، ومع ذلك فقد تَمَّ الحسم لصالح الفاطميين بعد جهود كبيرة، فحموا مصر، واستردوا دمشق والشام، فاضطر الحسن الأعصم لترك دمشق للجيوش الفاطمية التي يقودها العزيز بالله (٣٦٥- ٣٨٦هـ)، وجوهر الصقلي، فقصد طبرية، رافضًا عشرين ألف دينار من الخليفة الفاطمي كل عام، وعاد إلى الأحساء حتى كانت نهايته ٣٦٦هـ/٩٧٦م، وإذا كان قد فشل في البقاء ببلاد الشام ومصر، فقد كان له نفوذ في عمان وجنوب العراق.
نهاية القرامطة
كان الحسن الأعصم آخر شخصية قوية طموحة في دولة القرامطة، فقد تولى الحكم ستة نفر شركة، سُمُّوا بالسادة، وكانوا متفقين في الغالب، وهم وإن لم يكن لهم نفوذ وتأثير كبير في الخارج، كما كان زمن الحسن الأعصم فإن غاراتهم لم تنقطع على الكوفة والبصرة للحصول على المؤنة، وازدياد النشاط الفاطمي والعباسي ضدهم كان له أثره على الوضع الداخلي، حيث ثارت ضد القرامطة أكثر من قوة مثل: بني الزجاج من عرب عبد القيس في أوال، بقيادة أبي بهلول الزجاجي، وكذلك العيونيون من بطون ربيعة بن نزار، كما كان للأصغر من بني المنتفق، واستطاع هؤلاء تقويض الكيان السياسي لدولة القرامطة، وإن بقوا كرعايا في إمارات وحكومات أخرى، سقطت دولة القرامطة التي ضمت في يوم ما عُمَان والإمارات العربية وقطر والكويت والبحرين وجزءًا من شرق المملكة العربية السعودية وجنوب العراق.
جوانب حضارية لدولة القرامطة
كان لدولة القرامطة بصمة حضارية، فقد كان لها نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وعسكري، فكان لها مجلس شورى يدرس أحوال الدولة بعامة، ويتخذ فيها القرارات المناسبة، ويُسَمَّى مجلس العقدانية، ويتكون من أبرز الشخصيات في النواحي المختلفة يختارهم الشعب ويتميزون بالتنظيم وحسن الإدارة، مما أدى إلى قوة الدولة، وقد عرفوا نظام الطبقات لتقسيم الأعمال والمهام، والهدف خدمة الجميع، فالحكام لهم السيطرة والنفوذ السياسي والإداري، وطبقة العرب تمثل العنصر العسكري غالبًا، وطبقة العمال والفلاحين.
وكان للمرأة نفوذ وتأثير ومشاركة في الدعوة والدولة، فلها رسالة ولها عمل، فلم تنفصل عن المجتمع أو تنعزل، فلها حقوق عائلية ومجتمعية، وقد تَحَدَدَ الزواج بواحدة، وعمدت الدولة إلى بناء المساكن للخاطبين، وجعلت المهر رمزيًا، وجعلت للمرأة حرية الاختيار، وحرية الطلاق وغيره.
وفي المجال الاقتصادي لم يلغوا الملكية الخاصة تمامًا، وإنما اهتموا بها، وساعدوا على العمل في الزراعة، وقاموا بإصلاح الأراضي القابلة للزراعة، وما تخرجه الأرض فهو للجميع حسب الاحتياجات، فالناتج للدولة توزعه على الرعية، وفي كل قرية أو بلد أمين تجمع عنده غلات القرية ليقوم بتوزيعها تحت إشراف مجلس العقدانية، ولذلك لم يوجد فقير أو محتاج في دولتهم، فالكل يعمل والناتج يوزع على الجميع، وكان ذلك وسيلة لمحاربة الفقر ومنع التميز بين الفئات.
واهتمت الدولة بالصناعات التي تحتاج إليها في السلم والحرب، أما النظام العسكري فقد نال عنايتهم، وأدى إلى ظهور جيش قوي أحرز الكثير من الانتصارات، وذلك أنهم كانوا يختارون الأطفال الأشداء، ويجمعونهم في دور خاصة ويدربونهم على حسب سنهم في النواحي العسكرية، فكان التدريب والإخلاص والولاء وحسن التدبير سمات فيهم، وتغدق الدولة على القادة والمتميزين، فكان الولاء التام للدولة والحاكم.
نشأتْ دولةُ القرامطة في البحريْن بقيادَةِ أبي سعيد الجنابي، وامتدّ نفوذُهَا إلى مناطقَ واسعةٍ رغمَ مُواجهة الخلافةِ العباسيّة، وقد اتّسمت بنظام سياسي متقدم، واقتصاد نشِط، وجيشٍ قويٍّ، مع اهتمامٍ بحقوقِ المرأة، ورغم انهيارِها بعدَ وفاةِ الحسنِ الأعصمِ، بقي أثرُها في بعض جوانبِ التنظيم الاجتماعيّ والاقتصاديّ.


