القضاء المصري.. ثلاثون عاما من التحديات وصون الاستقلال المؤسسي
على مدار ثلاثين عاما، واجه القضاء سلسلة من التحديات المعقدة، ارتبط معظمها بالحفاظ على استقلال السلطة القضائية وضمان سيادتها أمام أي تدخل سياسي أو إداري، ولم تقتصر هذه الأزمات على خلافات مؤقتة، بل شكلت اختبارا حقيقيا لقدرة المؤسسات القضائية على صون دورها الدستوري، وحماية حقوق المواطنين، وضمان نزاهة العدالة.
أسهمت هذه الصراعات في إعادة تحديد العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، مؤكدة على أهمية الضمانات القانونية والمؤسسية التي تتيح للقضاة ممارسة مهامهم بحرية وكفاءة، بعيدا عن أي ضغوط خارجية، وهو ما يجعل أي تغيير في اختصاصها قضية حساسة تمس جوهر استقلال القضاء.
الإشراف القضائي على الانتخابات
بداية الأزمات كانت أزمة الإشراف القضائي على الانتخابات عامي 2000 و 2006 حينما تصاعدت الأزمة عقب انتخابات مجلسي الشعب والشورى، حيث طالب القضاة بإشراف كامل على العملية الانتخابية لضمان نزاهتها.
وواجه القضاة ضغوطا من السلطة التنفيذية، حتي تم إحالة عدد من القضاة للتحقيق بسبب مواقفهم المستقلة، ما أدى إلى حالة من التوتر بين مؤسسات الدولة، وشكل هذا الصراع محطة هامة في تاريخ القضاء المصري، خاصة وانه أبرز دور القضاة كحماة للحق والنزاهة الانتخابية.
تعديل قانون السلطة القضائية
وفى عام 2005 أشتعلت الأزمة حينما اعتراض القضاة على التعديلات الحكومية التي اعتبروها مساسا مباشرا باستقلالهم، وشملت أبرز الاعتراضات زيادة نفوذ السلطة التنفيذية في التفتيش القضائي، ونقص الاستقلال المالي والإداري للهيئات القضائية، وهو ما دفع نادي القضاة لقيادة تحركات احتجاجية واسعة.
و شملت الاعتراضات جمعيات عمومية طارئة ووقفات داخل المحاكم، ورغم ضغوط السلطة التنفيذية والإعلامية، أثبت القضاة قدرة مؤسساتهم على الدفاع عن استقلال القضاء، وهو ما مهد الطريق لإصلاحات جزئية لاحقة.
أحداث ما بعد ثورة يناير
مع اندلاع ثورة يناير 2011، تصاعد الهجوم السياسي والإعلامي على القضاء، واتهامه بالانحياز في بعض الملفات السياسية، كما ضغطت السلطة التنفيذية لإعادة هيكلة المؤسسات القضائية بما يتماشى مع توجهات السلطة الجديدة آنذاك، وهو ما أثار قلق القضاة حول استقلاليتهم، ودفعهم للمطالبة بضمانات دستورية وقانونية تحميهم من التدخلات السياسية.

أزمة جماعة الإخوان مع القضاء
وفى عام 2012 تصاعدت حدة الأزمة مع سيطرة جماعة الإخوان على السلطة التنفيذية، ورفع شعارات مثل «تطهير القضاء»، ومحاولات لإقصاء النائب العام المستشار عبد المجيد محمود، كما صدرت إعلانات دستورية مست المحكمة العليا وهددت استقلال القضاء.

وأدت الإعلانات الدستورية لصدام مؤسسي حاد بين السلطة القضائية التى تصدرها المستشار احمد الزند والسلطة التنفيذية، تصدى القضاة لهذه المحاولات، وأكدوا على هيبة القضاء واستقلاله، وهو ما أسهم في حماية مؤسسات الدولة خلال تلك الفترة العصيبة.
محاصرة المحكمة الدستورية
شهدت مصر عام 2012 أحداثًا حاسمة في حماية الدستور واستقرار المؤسسات. ففي 14 يونيو، أصدرت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار فاروق سلطان حكمًا بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب، ما أدى إلى حل المجلس.

مؤكدين سيادة القانون رغم الانقسام السياسي والضغوط الجماهيرية وفي ديسمبر، تعرض مقر المحكمة بالمعادي للحصار ومنع القضاة من دخول عملهم في محاولة لتعطيل العدالة، إلا أن القضاة رفضوا الخضوع للتهديدات، مؤكدين أن القضاء يعمل فقط في مناخ يحترم سيادة وهيبة القانون
قضايا سن التقاعد
وفى عام 2014 شهدت جدلا واسعا حول سن التقاعد للقضاة، ما أثار احتجاجات قانونية وإعلامية من بعض رموز القضاء، والازمة المرتبطة بالرغبة في الحفاظ على استمرارية الخبرة القضائية وضمان عدم التأثير على استقلالية السلطة القضائية من خلال تغييرات تشريعية سريعة أو أحادية الجانب.
الهجمات الإرهابية واستهداف القضاة
واجه القضاة أيضا مخاطر جسدية خلال الثلاثين عاما الماضية، حيث استهدفتهم جماعات إرهابية بسبب نظرهم لقضايا تتعلق بالإرهاب أو الجرائم الكبرى، وشملت التهديدات وعمليات الاغتيال بعض القضاة البارزين، ما شكل ضغطا إضافيا على السلطة القضائية للحفاظ على سير العدالة، وأبرز الحاجة لتأمين القضاة وحماية استقلال عملهم.
استشهاد 3 قضاة فى العريش
وفي 16 مايو 2015، شهدت مصر حادثا إرهابيا مأساويا أسفر عن استشهاد أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة وكلاء نيابة وسائق، وإصابة وكيل نيابة آخر، إثر هجوم مسلح شنه إرهابيو جماعة «أنصار بيت المقدس» على ميكروباص يقل قضاة وموظفين بمحكمة شمال سيناء.

جاء الهجوم بعد ساعات من صدور حكم بإحالة أوراق الرئيس المعزول محمد مرسي و16 من قيادات جماعة الإخوان إلى المفتي في قضيتي «التخابر مع حماس» و«الهروب من سجن وادي النطرون»، مما عزز المخاوف من استهداف القضاة أثناء أداء مهامهم القضائية.
اغتيال النائب العام
في 29 يونيو 2015، اغتيل المستشار هشام بركات النائب العام إثر تفجير سيارة مفخخة استهدفت موكبه أثناء تحركه من منزله بمنطقة مصر الجديدة إلى دار القضاء العالي وسط القاهرة. وأسفر الهجوم عن إصابته بنزيف داخلي وشظايا، خضع على إثرها لعملية جراحية دقيقة في مستشفى النزهة الدولي، لكنه فارق الحياة متأثرًا بجراحه، في حادثة شكلت صدمة للرأي العام وأكدت خطورة استهداف القضاء أثناء ممارسة مهامه

الهجوم المسلح على فندق العريش
وفى يوم 24 نوفمبر 2015، أعلن تنظيم «داعش» في سيناء مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل 6 أشخاص بينهم قاضيان وأمين شرطة، وإصابة 14 آخرين، نتيجة تفجير انتحاري بسيارة مفخخة استهدف فندق مخصصا لإقامة القضاة المشرفين على الانتخابات البرلمانية بشمال سيناء.









