جدل بين الصيادلة.. التركيبات الصيدلانية بين حق مهني ورقابة تنظيمية مشددة
أثار قرار هيئة الدواء المصرية رقم 868 لسنة 2025، بشأن تنظيم نشاط تركيب المستحضرات الصيدلية الدستورية، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الصيدلية، بين من اعتبره خطوة تنظيمية ضرورية لحماية صحة المرضى وضبط سوق الدواء، وبين من رأى فيه عبئًا جديدًا على الصيدليات وتهديدًا مباشرًا لممارسة مهنية أصيلة كفلها القانون للصيادلة منذ عقود.
في المقابل، أبدت بعض منظمات المجتمع المدني دعمها للقرار، وعلى رأسها جمعية الحق في الدواء، التي أصدرت بيانًا أكدت فيه أن تنظيم نشاط التركيبات الصيدلانية يحظى بقبول واسع لدى المجتمع المدني، شريطة الالتزام الصارم بالاشتراطات الفنية وعدم تحميل الصيادلة أعباء غير مبررة.
واعتبرت الجمعية أن القرار يتسق مع أحكام قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، مشيرة إلى أن ضبط هذا النشاط يسهم في حماية الصحة العامة وضمان سلامة المرضى، إذا ما تم تطبيقه بشفافية وعدالة.

وقال محمود فؤاد، مدير جمعية الحق في الدواء، إن الجمعية كانت من أوائل الجهات التي فتحت ملف التركيبات الصيدلانية منذ عام 2021، بالتعاون مع الرئيس الأسبق للمركز القومي للبحوث الدكتور هاني الناظر رحمه الله، معتبرًا أن إحياء هذا الملف يمثل إضافة حقيقية للمريض المصري.
وأوضح فؤاد أن تنظيم التركيبات الدوائية يقلل من زمن الحصول على الدواء، ويوفر بدائل بأسعار مناسبة، ويساعد في مواجهة أزمات نقص الأدوية الناتجة عن توقف الاستيراد أو ممارسات تسعيرية غير مبررة من بعض الشركات، رغم استقرار سعر الصرف.
وأضاف في تصريحات خاصة لموقع “نيوز رووم”، أن القرار يأتي في سياق أوسع من النجاحات التي حققتها هيئة الدواء المصرية، وعلى رأسها الحصول على اعتماد المستوى الثالث من منظمة الصحة العالمية، إلى جانب التوسع في توطين العديد من الأصناف الدوائية، بما يدعم التوجه الاستراتيجي للدولة نحو الاكتفاء الدوائي.
صيادلة يرفضون القرارات ويحذرون من كارثة
في المقابل، أبدت نقابات صيادلة القليوبية والجيزة والدقهلية والمنوفية، إلى جانب نادي الصيادلة وشعبة الصيدليات بالغرفة التجارية بالجيزة، رفضًا واضحًا للقرار، معتبرة أنه صدر دون حوار مجتمعي أو تشاور مسبق مع ممثلي المهنة.
وأكدت شعبة الصيدليات بالجيزة أن القرار لا يراعي حق الصيدلي الأصيل في ممارسة وصناعة التركيبات الدوائية، وهو حق قانوني وتاريخي، محذرة من أن الرسوم المقررة مبالغ فيها وتمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الصيدليات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، بما يهدد استمراريتها.
حذّر عدد من الصيادلة من أن القرار قد يؤدي عمليًا إلى تحويل الصيدليات إلى مصانع أدوية صغيرة دون توفير بيئة تنظيمية أو مالية مناسبة، وهو ما قد يفتح الباب لمخاطر مهنية وقانونية.
في هذا السياق، دعا بعض الصيادلة إلى عدم التسرع في تبرير القرار أو مداهنته، معتبرين أن القضية تمس جوهر المهنة، ومعلنين الاتجاه نحو:
- دراسة القرار من الناحية القانونية.
- إعداد مذكرة قانونية رسمية لرفضه.
- الاستعداد للطعن عليه أمام الجهات القضائية المختصة.
وأعربوا عن رفضهم لقاء رئيس هيئة الدواء في الوقت الحالي، معتبرين أن تجاهل رأي النقابات قبل صدور القرار يعكس نمطًا من القرارات الفوقية.
قال الدكتور محمد عصمت، رئيس نادي صيادلة مصر، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصيادلة العرب، أن قانون 127 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة، ما زال قانونًا نافذًا وساريًا، ولم يُلغَ أو يُعدل بنص تشريعي لاحق، وأن المادة 32 من القانون نصت صراحة على أحقية الصيدلي في تحضير وصرف التركيبات الدستورية داخل الصيدلية، مع وضع ضوابط تتعلق بالمواد المؤثرة والخطرة، دون اشتراط تحويل الصيدلية إلى كيان صناعي أو مصنع أدوية، وعليه فإن أي قرار إداري يقيّد هذا الحق أو يفرغه من مضمونه أو يجعله مستحيل التطبيق عمليًا، يكون متعارضًا مع القانون، وقابلًا للطعن بعدم المشروعية.
أشار الدكتور محمد عصمت، إلى أن هناك خلط بين طبيعة عمل الصيدلية ومصنع الدواء، فالقرار محل الجدل تعامل مع الصيدليات عمليًا باعتبارها، وحدات تصنيع دوائي صناعي، وهو توصيف غير صحيح قانونًا ولا مهنيًا، موضحًا أن الصيدلية منشأة خدمية علاجية، تمارس تحضير تركيبات فردية محددة بناءً على وصفات أو احتياج علاجي خاص، أما مصنع الدواء هو كيان صناعي ينتج كميات تجارية يخضع لاشتراطات GMP ويعمل بمنطق مختلف تمامًا.
وتابع أن تحميل الصيدلية اشتراطات وتكاليف أقرب للمصانع، يخرج عن فلسفة قانون الصيدلة، ويخلق واقعًا مشوهًا لا يخدم لا المريض ولا الدولة.
وردًا على هذه المخاوف، أصدرت هيئة الدواء المصرية بيانًا رسميًا أكدت فيه أن قرار 868 لسنة 2025 لا يسري على التركيبات الصيدلية الحالية المرخصة، ولن يتم تحصيل أي مقابل خدمات أو رسوم مالية لاستمرار النشاط القائم بالفعل، والمتعارف عليه بين الصيادلة وفقًا للقانون.
وشددت الهيئة على أن القرار لا يستهدف التضييق على الصيادلة، بل تنظيم أنواع محددة من التركيبات الدستورية ذات الطبيعة الخاصة، مؤكدة أنه سيتم نشر كافة التفاصيل المتعلقة بالتركيبات الخاضعة للقرار خلال فترة تطبيق الدليل التنظيمي في منشورات لاحقة.
وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت القرار، الذي دخل حيز التنفيذ اعتبارًا من اليوم التالي لنشره، ونص على إلزام جميع المؤسسات الصيدلية – صيدليات عامة أو خاصة أو مصانع مستحضرات – بتطبيق أحكام الدليل التنظيمي المرفق عند مزاولة نشاط تركيب المستحضرات الدستورية.
وحدد القرار الرسوم على النحو التالي:
- 10 آلاف جنيه مقابل طلب الحصول على تصريح مزاولة النشاط.
- 40 ألف جنيه رسوم إصدار تصريح ممارسة التركيبات الدستورية.
- 20 ألف جنيه رسوم تجديد التصريح.
كما ألزم القرار المؤسسات الصيدلية بتحديد نوع التركيبات المطلوب الترخيص لها، سواء كانت غير عقيمة أو عقيمة أو خطرة، مع تحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن صحة البيانات.
يبقى قرار تنظيم التركيبات الصيدلانية ملفًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين مساعٍ رسمية لإحكام الرقابة وضمان سلامة المرضى، ومخاوف مهنية حقيقية من أعباء مالية وتنظيمية قد تعصف بآلاف الصيدليات.
وبين هذا وذاك، يظل الحوار المجتمعي الجاد، والشفافية في التطبيق، هما العامل الحاسم لتجنب تحول قرار تنظيمي إلى أزمة مهنية واسعة.

