عاجل

الزمان منتصف التسعينات ، المكان جاردن سيتي تحديدا الفيلا التي يقع فيها مبني الهيئة الوطنية للصحافة في ٦ عبد القادر حمزة، تقف سيدة خمرية شامخة الهيئة والهيبة، أنظر اليها بانبهار وانا أخطو خطواتي الأولي في دار التعاون صحفية تحت التمرين ، سألت زملائي من هذه السيدة التي يقف لها الجميع تقديراً، عرفت انها "نوريس عبده"، محررة مجلس الوزراء في جريدة السياسي المصري ، 
تمر السنوات وافاجئ بوالدي يتصل بي  حول تعليق علي  احد منشوراتي علي  صفحتي الشخصية  الفيسبوك ،  متسائلاً: كيف تعرفتي علي دكتور هشام الصيفي ابن مدام نوريس ؟ لأجيب  هو أحد  الاطباء النوابغ  المصريين في الولايات المتحدة ، ولم اكن اعرف انه ابن هذه السيدة التي انبهرت بمكانتها المهنية قبل سنوات بعيدة الا منك الآن.
تذكرت تلك التفاصيل عندما قرأت اليوم خبر تكريم دكتور هشام الصيفي بجائزة انجاز العمر من الجمعية المصرية  الأمريكية في لوس انجلوس ،تقديراً لانجازاته العلمية والمجتمعية خلفاً لأسماء نعرفها جميعا مثل فاروق الباز ، احمد زويل ، مصطفي السيد و محمد  العريان ، مع الاحتفاظ بالألقاب لنوابغ المصريين بالخارج ممن اثروا العلم والمعرفة علي مستوي العالم. 
يستحق دكتور هشام كل التقدير هكذا علقت  ، ففي  بعض الأحيان لا تأتي الحكايات الكبيرة من لحظة واحدة، بل من تراكم تفاصيل صغيرة تصنع في النهاية شخصية استثنائية. 
وهكذا هو الدكتور هشام الصيفي، لا أستدعي فقط مسيرته المهنية المتميزة كأحد أبرز رموز العلماء في الخارج ، بل أستدعي للأذهان نموذج وقدوة للطبيب الانسان ، المصري  الذي اختار أن يكون نجاحه  في واحدة من أعقد مجالات الطب ، يتميز علي أولاد العم  سام،  بحراحات مناظير التجميل والخلايا الجذعية ، ويشهد له القاصي والداني علي المستوي الأكاديمي والمهني  ، و يمتلك مركزاً للتجميل في أرقي وأغلي احياء كاليفورنيا بالقرب  من بيفرلي هيلز ،  و يظل قلبه معلقًا بمصر مهما ابتعدت به المسافات.
تعرفت علي دكتور هشام  خلال عملي كمستشار وزيرة الهجرة خلال زيارة للولايات المتحدة تحديداً في مقاطعة اورانج أحد أحياء  كاليفورنيا الراقية ضمن جالية مصرية في غاية التميز، حيث تكتشف الناس بعيدًا عن الألقاب الرسمية، وحيث تقيس القيمة بما يتركه الانسان في محيطه ومجتمعه  في المهجر وارتباطه بوطنه الأم . هناك، لم يكن اسمه مجرد طبيب شهير في جراحة التجميل، بل كان اسمًا حاضرًا في وجدان الجالية المصرية، يتردد كلما ذكرت مبادرة إنسانية أو  وطنية او عمل تطوعي أو دعم لمريض لا يملك إلا الأمل.
على المستوى العلمي، شق هشام الصيفي طريقه بثبات  من معيد نابه بقصر العيني حتى أصبح أستاذًا لجراحة التجميل في جامعة كاليفورنيا، وواحدًا من أهم جراحي التجميل في  ولايات غرب الولايات المتحدة .
اسمه علامة بارزة في عالم التجميل الطبي، وتسند إلى مشرطه الجراحي وجوه أشهر نجوم هوليود، في استعادة للشباب لا تلغي الملامح بل تعيد إليها رونق الحياة،  لكن المفارقة اللافتة أن هذا البريق لم يسحبه يومًا بعيدًا عن جوهر المهنة، بل زاده إصرارًا على أن يكون الطب رسالة قبل أن يكون شهرة.
فقرر منذ سبعة عشر عامًا، أن يحول نجاحه الشخصي إلى التزام إنساني طويل المدى، فأسس  مع دكتور شريف جمعية ECN لدعم أطفال مرضى السرطان في مصر ، لم تكن الجمعية مجرد كيان خيري عابر، بل شبكة دعم حقيقية امتدت آثارها إلى مستشفيات مصرية كبرى، في مقدمتها مستشفى سرطان الأطفال 57357، حيث ساهمت في العلاج والدعم والرعاية والامداد بالمعدات الطبية، يدير حفلات مع التبرعات تسانده زوجته  المحبة وأولاده وكل رموز الجالية بعيدًا عن أي حسابات شخصية.
لم يكتف بالدعم من بعيد، بل كان حاضرًا بجسده وعلمه، يشارك في عمليات  انسانية لإعادة بناء الثدي بعد استئصال الأورام، ويعود إلى مصر لإجراء جراحات مجانية، وزيارة مرضى في مستشفيات عسكرية ومدنية، من بينها مستشفى الجلاء العسكري، مؤمنًا بأن الجراحة التجميلية ليست رفاهية، بل في كثير من الأحيان استعادة للأمل في الحياة.
اليوم، وهو يتوج بجائزة Outstanding Achievement Award من الجمعية المصرية الأمريكية، لا يبدو التكريم مفاجئًا بقدر ما يبدو مستحقًا في مسار ممتد من التميز الانساني والمهني فهو احتفاء بطبيب مصري رفع اسم بلده علميًا وحصل علي تقدير  امريكي رفيع تولي رئاسة جمعية جراحي التجميل وحاز جوائز الافضل والاهم والأنجح في الولايات المتحدة ، لكن تظل أهم تكريماته احتفاظه  بانسانيته و اختياره  أن يرد الجميل  لمصر بالفعل لا بالكلام.
هي حكاية مصرية بامتياز… حكاية تؤكد أن بعض الناس، مهما ابتعدوا، يظلون جزءًا أصيلًا من نبض هذا الوطن، وأن الأسماء اللامعة حقًا هي تلك التي تضيء  بالعلم والعطاء طريق غيرها.

تم نسخ الرابط