وساطة غامضة بشأن قضية وجودية.. ماذا يريد ترامب من ملف سد النهضة؟
في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب طرح مبادرة جديدة بشأن أزمة سد النهضة، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول أهدافها الحقيقية وتداعياتها على مسار النزاع المائي الأكثر تعقيدًا في القارة الإفريقية.
مبادرة ترامب بشأن سد النهضة
فبينما قُدمت المبادرة في إطار وساطة سياسية تسعى إلى تهدئة التوتر ودفع الأطراف نحو طاولة التفاوض، يرى مراقبون أنها تحمل أبعادًا تتجاوز الحل الدبلوماسي التقليدي، وتعكس رغبة أمريكية في إعادة صياغة قواعد التفاوض ونقل الأزمة من إطارها القانوني المرتكز على الحقوق التاريخية إلى مسار سياسي مرن يخدم توازنات إقليمية ومصالح استراتيجية أوسع.
ملفات الأمن المائي والتحالفات الإقليمية
وفي ظل تشابك ملفات الأمن المائي والتحالفات الإقليمية والنفوذ الدولي في القرن الإفريقي، تبرز تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت مبادرة ترامب تستهدف فعليًا تسوية عادلة للأزمة، أم تمثل محاولة لإدارة الصراع بما يضمن مصالح واشنطن وحلفائها أكثر من ضمان حقوق دول المصب.
وأكد اللواء محمد عبد الواحد، الخبير العسكري، أن التحركات المصرية الأخيرة في منطقة القرن الإفريقي تمثل السبب الرئيسي وراء حالة القلق المتزايد لدى إثيوبيا، ما انعكس بدوره على مواقف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، موضحًا أن القاهرة نجحت خلال الفترة الماضية في بناء شبكة تحالفات استراتيجية مهمة مع عدد من دول الإقليم.
تحركات مصر الأخيرة أربكت حسابات أديس أبابا وأثارت مخاوف أطراف دولية
وأوضح عبد الواحد، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن مصر عززت حضورها الإقليمي عبر تعاونها مع الصومال وإريتريا وحكومة السودان، إلى جانب وجود قواعد بحرية في جيبوتي، فضلًا عن مشاركة عسكرية مصرية في الصومال، وهي تحركات وصفها بأنها «نقلة استراتيجية» أربكت حسابات أديس أبابا وأثارت مخاوف أطراف دولية من تطورات محتملة في المنطقة، رغم تأكيده أن مصر لا تسعى إلى التصعيد.
وأشار الخبير العسكري إلى أن رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جاءت في إطار ما وصفه بـ«الشكر والعرفان» للدور الذي لعبته مصر منذ اندلاع الأزمة في قطاع غزة وحتى الآن، لافتًا إلى أن واشنطن ترى القاهرة شريكًا رئيسيًا في تمرير الرؤية الأمريكية بالمنطقة، بعدما تحملت أعباء سياسية وأمنية وإنسانية كبيرة خلال تلك المرحلة.
وأضاف عبد الواحد أن الحديث الأمريكي عن الوساطة في أزمة سد النهضة يثير كثيرًا من علامات الاستفهام، مؤكدًا تشككه في حياد واشنطن، باعتبارها – حسب تعبيره – طرفًا أساسيًا في الأزمة، إذ شجعت إثيوبيا على المضي قدمًا في بناء السد، كما لعبت دورًا في تحريض بعض دول حوض النيل على اتخاذ مواقف مناوئة لمصر منذ نهاية التسعينيات.
رسالة ترامب حملت طابعًا دبلوماسيًا غامضًا
وحول مضمون رسالة ترامب، أوضح عبد الواحد أنها حملت طابعًا دبلوماسيًا غامضًا يفتقر إلى الحسم السياسي، خاصة في ظل نزاع مائي «وجودي» بالنسبة لمصر، معتبرًا أن الهدف الحقيقي من الرسالة هو نقل الأزمة من مسارها القانوني إلى مسار سياسي جديد يقوم على إعادة التفاوض وفق أجندة مختلفة.
وأوضح أن الطرح الأمريكي يسعى إلى فتح ملف إعادة تقسيم مياه نهر النيل بين دول الحوض، بدلًا من الالتزام بالحقوق التاريخية والقانونية لمصر، وهو ما يعكس انحيازًا غير مباشر لإثيوبيا، عبر تبني مفردات وأطر فكرية تتوافق مع أدبيات دول المنبع.
سيناريوهات مستقبلية بشأن أزمة سد النهضة
وأكد اللواء محمد عبد الواحد أن هذا التوجه يحول أزمة سد النهضة من تهديد وجودي إلى «أزمة قابلة للإدارة»، محذرًا من سيناريوهات مستقبلية قد تتضمن ضغوطًا على مصر والسودان لشراء الكهرباء المنتجة من السد مقابل التنازل عن جزء من حقوقهما المائية، في نموذج سبق تطبيقه في تجارب إقليمية أخرى، مؤكدًا على أن أي حل لا يستند إلى احترام الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، ولا يراعي طبيعة الأزمة كمسألة حياة وبقاء، لن يحقق الاستقرار في المنطقة، بل سيُبقي جذور الصراع قائمة وقابلة للانفجار في أي وقت.
وقال الدكتور محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، إن الحديث عن الدخول في مفاوضات جديدة بشأن ملف سد النهضة لا يحمل أي معنى، في ظل ما تم التوصل إليه سابقًا بعد سنوات طويلة من التفاوض، وبرعاية أمريكية وإشراف البنك الدولي.
وأوضح علام أنه تم بالفعل الانتهاء من مسودة وثيقة نهائية للاتفاق خلال فترة رئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحضرت كل من مصر والسودان إلى واشنطن ووقعتا على الاتفاق بالأحرف الأولى، في حين تغيبت إثيوبيا عن التوقيع دون مبرر، رغم مشاركتها في مراحل التفاوض المختلفة.
إهدار ما يقرب من 14 عامًا أخرى دون جدوى
وشدد وزير الري الأسبق على أن العودة إلى طاولة مفاوضات جديدة تعني إهدار ما يقرب من 14 عامًا أخرى دون جدوى، خاصة أن الطروحات المتعلقة بـإعادة توزيع حصص مياه النيل سبق أن تم رفضها بشكل قاطع من جانب مصر والسودان، خلال مناقشة مسودة اتفاقية عنتيبي.
عدم الإضرار بحقوق دول المصب
وأشار علام إلى أن هناك بدائل فنية يمكن بحثها دون الإضرار بحقوق دول المصب، من بينها استقطاب الفواقد المائية الإثيوبية في منطقة بارو–أكوبو، وهو ما قد يضيف ما بين 5 إلى 8 مليارات متر مكعب سنويًا إلى إيراد نهر النيل، بما يعود بالنفع على إثيوبيا ودولتي المصب معًا، إلى جانب إمكانية التعاون في تسويق كهرباء سد النهضة.
وأكد أن أي طرح أو تفاوض يمس نقطة مياه واحدة من حصة مصر التاريخية يُعد أمرًا مرفوضًا وغير قابل للنقاش، لأنه يمس بشكل مباشر حياة المصريين وأمنهم المائي، مشددًا على ضرورة أن يكون هذا الموقف واضحًا وصريحًا أمام الإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس ترامب، وكذلك أمام الجانب الإثيوبي.
عدم السيطرة من جانب واحد على موارد نهر النيل
ومن جانبه أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن ما تضمنته رسالة ترامب بشأن الاستعداد لاستئناف الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة يحمل اعترافا واضحا بعدالة الموقف المصري، ويعكس إدراكا دوليا متزايدا لخطورة أي مسارات أحادية في إدارة الموارد المائية المشتركة، و التأكيد الأمريكي على أنه لا ينبغي لأي دولة أن تسيطر من جانب واحد على موارد نهر النيل بما يضر بجيرانها يمثل سندا سياسيا وقانونيا مهما للموقف المصري القائم على احترام القانون الدولي ومبادئ الاستخدام العادل و المنصف للأنهار العابرة للحدود.
و أضاف فرحات أن حديث ترامب عن ضرورة التوصل إلى اتفاق دائم يضمن إطلاقات مائية منتظمة ويمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، يعكس فهما حقيقيا لطبيعة المخاوف المصرية والسودانية، ويؤكد أن الحل العادل لا يتعارض مع حق إثيوبيا في التنمية، و إنما يقوم على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحقوق دولتي المصب في الحياة والأمن المائي.
إدارة مصر لملف سد النهضة اتسمت بأعلى درجات الحكمة وضبط النفس
وشدد أستاذ العلوم السياسية على أن إدارة مصر لملف سد النهضة اتسمت بأعلى درجات الحكمة وضبط النفس، حيث فضلت مسار التفاوض والحلول السياسية، مع التمسك الكامل بحقوقها التاريخية، مؤكدا أن هذا النهج يؤكد قوة الدولة لا ضعفها، و يبرهن على أن القاهرة تتحرك بثقة دولة تعرف وزنها وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية.
وأوضح فرحات أن الرسالة الأمريكية تمثل فرصة مهمة يجب البناء عليها، في إطار دعم الجهود الدبلوماسية المصرية، للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم يحقق المصالح المشتركة، ويحفظ شريان الحياة لمصر، ويصون حقوق الأجيال القادمة، مشددا على الدعم الكامل للقيادة السياسية في إدارة هذا الملف المصيري بحكمة واقتدار.
إدراك المجتمع الدولي لموقف مصر القانوني في حماية حقوقها المائية
وقال المهندس أحمد صبور، عضو مجلس الشيوخ، إن الخطاب الذي بعث به الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أزمة سد النهضة يشكل مؤشرا واضحا على إدراك المجتمع الدولي لموقف مصر القانوني والوطني في حماية حقوقها المائية، مؤكدا أن مضمون الرسالة يعكس تفهما أمريكا لحساسية الملف وأبعاده الاستراتيجية بالنسبة لمصر والمنطقة.
وأضاف «صبور» أن حرص الإدارة الأمريكية على استئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا، مع التأكيد على حل النزاع بعيدا عن أي تصعيد عسكري، يعكس دعما غير مباشر للسياسة المصرية التي قامت على ضبط النفس والحفاظ على استقرار المنطقة، وعدم السماح لأي طرف بفرض واقع يضر بمصالح مصر الحيوية.
التوازن بين حماية الحقوق المائية لمصر والسودان
وأشار عضو مجلس الشيوخ ، إلى أن الخطاب تضمن عناصر مهمة تعكس التوازن بين حماية الحقوق المائية لمصر والسودان وتمكين إثيوبيا من استكمال مشاريع التنمية، مؤكدا أن هذه المعادلة تتوافق مع رؤية مصر الوطنية التي تسعى لإيجاد حلول عادلة ومستدامة، ترتكز على التفاوض الفني والقانوني المدعوم بخبرة دولية.
كما شدد «صبور» على أن اهتمام واشنطن بمراقبة تنفيذ أي اتفاق مستقبلي يوضح إدراكها لأهمية دور مصر في ضمان التزام الأطراف كافة بالقوانين والاتفاقيات، مشيرا إلى أن القاهرة منذ البداية ركزت على التفاوض المسؤول كأساس لحل النزاع، بعيدا عن الانفعالات أو أي إجراءات أحادية قد تؤدي إلى تصعيد الأوضاع.
وأكد النائب أحمد صبور على أن الخطاب الأميركي يعزز الموقف المصري دوليا، ويؤكد أن مصر ستستمر في لعب دورها الدبلوماسي الرائد لتحقيق التوازن بين التنمية والحقوق المائية، مع الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي في ضوء مسؤوليتها التاريخية تجاه شعبها وجيرانها.