المسجد الأقصى ثاني بيت وضع للناس: أسرار عصمته من الدجال وأجر الصلاة فيه
سلطت وزارة الأوقاف الضوء على بيت المقدس ومنزلة المسجد الأقصى في الإسلام، حيث جعل الشارع الحكيم شد الرحال إلى المسجد الأقصى عبادةً يتقرب بها المؤمنون لخالقهم، وقرنه بأقدس بقعتين في الأرض؛ مصداقًا لما ورد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى» [صحيح البخاري ١١٣٢]
وقد خُص المسجد الأقصى بمزية فريدة لمن شد إليه الرحال؛ فالمصلي فيه يرجو أن يرجع كيوم ولدته أمه خالصًا من الذنوب، وهو ما نرجو تحققه استجابةً لدعوة نبي الله سيدنا سليمان عليه السلام، فقد جاء وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ سُلَيْمَانَ سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ اللَّهُ الثَالِثَةَ سَأَلَهُ بِأَنْ يحكم بِحكم يوطيء حُكْمَهُ فَأُعْطِيَ وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ وَسَأَلَهُ أَيُّمَا عَبْدٍ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدُسِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ» [فضائل بيت المقدس للمقدسي ١٥].
ثاني مسجد وُضع في الأرض
وتتجلي العراقة التاريخية لبيت المقدس في كونه نال شرف الأسبقية في الوجود ليكون ثاني بيت وُضع للناس في الأرض لعبادة الله وتوحيده، فقد ورد عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ: قَالَ: قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَُ" قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قَالَ قُلْتُ: "ثُمَّ أَيٌّ" قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: "كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا" قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» [صحيح البخاري، ٣٣٦٦].
وتشير المدة الزمنية الوجيزة بين وضعه وبين وضع المسجد الحرام —وهي أربعون عامًا— إلى تلازم وثيق وتوأمة روحية بين القبلتين منذ فجر البشرية؛ فالمسجد الأقصى ليس مجرد بنيان طارئ، بل هو صنو المسجد الحرام وشقيقه في القداسة والنشأة، مما يجعله إرثًا إيمانيًا أصيلًا يمتد جذره في عمق التاريخ الإنساني قبل بعثة الأنبياء المتأخرين
عصمة القدس مِن الدَّجال
وقالت الأوقاف: تتجلى مكانة بيت المقدس الفريدة في كونها ملاذًا آمنًا وحرمًا معصومًا حمته العناية الإلهية؛ فهي من البقاع المطهرة التي لا يجرؤ الدجال على دخولها أو تدنيسها في آخر الزمان، فقد استثناها الله عز وجل من وطأة تلك الفتنة، فقد ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فِي الدَّجَّالِ مَا شُبِّهَ عَلَيْكُمْ مِنْهُ فَإِنِّ اللَّهَ عز وجل لَيْسَ بِأَعْورَ يَخْرُجُ فَيَكُونُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ مِنْهَا كُلَّ مَنْهَلٍ إِلَّا الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ وَالْمَدِينَةَ ...».[المعجم الكبير للطبراني ١٤٢٩٢].
وتأكيدًا لهذه الحصانة الربانية، جاء النص النبوي مفصلاً للمساجد التي حُرّمت عليه، وقرن المسجد الأقصى بالمسجدين الحرام والنبوي في المنعة؛ فعن مجاهد قال: "كُنَّا سِتَّ سِنِينَ عَلَيْنَا جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَامَ فَخَطَبَنَا، فَقَالَ: أَتَيْنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا تُحَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّاسِ. فَشَدَّدْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِينَا فَقَال: «أُنْذِرُكُمُ الْمَسِيحَ وَهُوَ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ قَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ الْيُسْرَى يَسِيرُ مَعَهُ جِبَالُ الْخُبْزِ وَأَنْهَارُ الْمَاءِ عَلَامَتُهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَبْلُغُ سُلْطَانُهُ كَلَّ مَنْهَلٍ لَا يَأْتِي أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ الْكَعْبَةَ وَمَسْجِدَ الرَّسُولِ وَالْمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَالطُّورَ ...».[مسند أحمد ٢٣٠٩٠].