عاجل

النيابة في قضية قتل والد لنجله: الأب ليس قاضيا ولا جلادا ولا يملك صك القصاص

محمود رياض وكيل نيابة
محمود رياض وكيل نيابة سمالوط الجزئية

قدم ممثل النيابة العامة، محمود رياض وكيل نيابة سمالوط الجزئية، مرافعة تاريخية أمام هيئة المحكمة، في القضية رقم 17045 لسنة 2025 جنايات سمالوط غرب، والمقيدة برقم 2514 لسنة 2025 كلي شمال المنيا، والمتهم فيها "جمال.م"، بقتل نجله بسبب تعاطيه المواد المخدرة وتشاجره الدائم مع الأهالي والجيران، مشيرا إلى أنه ارتكب جريمته بعد أن انتهز فرصة تعمق نجله في النوم، وتعدى عليه بقطعة حديدية على رأسه، ما أودى بحياته.

النيابة في قضية أب قتل نجله أثناء نومه: الأب ليس قاضيا ولا جلادا ولا يملك صك القصاص

وبدأ ممثل النيابة مرافعته بأبيات شعرية قائلا: 

ليس كل أب إذا ضاق صدره * رأى الدم بين يديه مباحا

وليس كل عاق إذا ساء فعله *** تزهق روحه ونمحو الجناحا

 زرعوه صغيرا بلا تقويم *** فلما اشتد قالوا استراحا

أيغسل عار الناس بسفك دم *** أم القتل لا يورث إلا الجراحا؟ 

إذا كان الغضب اليوم قاضينا *** فمن للعدل يبني صراحا؟

وأي قانون نحاكم به إذا *** صار الذبح يرد الفضاحا؟

وتابع ممثل النيابة قائلا: إذا كان هذا قول بشر من البشر تستبشع القتل وتنفر منه الفطر السليمة، فكيف وقد جاء القول من سيد البشر صلوات ربي وسلامه عليه حين قرر في حديث جامع قاطع ترتعد له القلوب وتخشع له النفوس: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».

وأكد أن هذا الحديث لا يحتمل تأويلا ولا يقبل تخفيفا، حيث جعل النبي ﷺ دم الإنسان أعظم عند الله من فناء الدنيا بما فيها.

وأضاف أن الأمر لا يقف عند قول سيد البشر، بل يرتقي إلى قول رب البشر سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مبينا أن الآية تقرر أن الدماء لا تضيع، وأن الجريمة وإن خفيت فإن الله مظهرها، وأن الحق وإن تأخر فلا بد أن يظهر.

وأوضح ممثل النيابة أن النيابة العامة تقف في هذه القضية لا دفاعا عن دم مهدر فحسب، ولا انتصارا لمجني عليه غيب صوته وسفك دمه، بل ذودا عن كرامة الإنسان وإعلاء لحق الحياة الذي جعله الشرع والقانون فوق كل اعتبار وأسمى من كل بيان.

وأشار إلى أن الواقعة تهز الفطرة السوية، ليس لأن الابن كان نفسا زكية أو بارا ذا سيرة مرضية، بل لأنه كان عاقا جفيا، عتيا على أهله، عاقا لوالديه، قاسيا، سارقا، مجاهرا بالموبقات صباحا ومساء، حتى صار في بيته بلاء وفي داره وباء وفي قلب أبيه شقاء.

واستدرك قائلا: لكن هنا ميزان الحق وبيت القصيد، وهنا نفصل بين المنطق الرشيد والفعل المريد، فهل يغسل العقوق بالدماء؟ وهل تداوى المعاصي بالفناء؟ وهل يملك الأب مهما بلغ ألمه أن ينزع ثوب الإنسان ويرتدي كفن القاتل والسجان ثم يطلب من العدالة الغفران؟

وأكد ممثل النيابة أن النيابة لا تدافع عن العقوق فهو آثام، ولا عن السرقة فهي حرام، لكنها لا تقيم للقتل محرابا، ولا تجعل للذبح أبوابا، ولا تسمح للصدور إذا ضاقت أن تملأ الدنيا خرابا.

وأوضح أن هذا الأب لم يكن قاضيا ولا جلادا، ولم يُعطَ صك القصاص، وكان الأجدر به أن تمتد يده بالإصلاح قبل أن تمتد بالسلاح، وأن يمسك زمام التقويم قبل أن ينفلت زمام الأرواح، فالولد لا يولد عاقا، وإنما يترك للضياع فيهمل صغيرا ويكسر كسيرا.

وتابع ممثل النيابة مرافعته قائلا: نقف اليوم في محرابكم المقدس لا لنعرض قضية قتل فحسب، بل لننعى إنسانية ذبحت، وفطرة انتكست، وضميرا وئد في مهد الآثام.

وأضاف أن المتهم استباح دم قطعة من كبده، وسلب حق الحياة ممن كان سببا في وجوده، ولم يقتله في مواجهة بل غدرا في نومه، حين هوى على رأسه بحديدة صماء داخل بيته، ليجد الابن الموت ممن كان ينتظر منه الحماية والأمان.

تم نسخ الرابط