إمامة الأنبياء في المسجد الأقصى.. الأوقاف تكشف منزلة الصلاة في رحلة الإسراء
تمثل رحلة الإسراء والمعراج محطة فارقة في تاريخ التشريع الإسلامي، حيث لم تكن مجرد معجزة لبيان القدرة الإلهية، بل كانت سياقًا زمانيًا ومكانيًا لفرض أعظم العبادات وأجلّ القربات وهي الصلاة، إن المتأمل في تفاصيل هذه الرحلة يجد ترابطًا وثيقًا بين المسجدين الحرام والأقصى، وبين الأنبياء السابقين وخاتمهم صلى الله عليه وسلم، وبين الأرض والسماء، وهو ما تجلى في فرضية الصلاة ومراحل تشريعها.
كانت الصلاة هي الرابط الأول بين مكة وبيت المقدس حتى قبل وقوع حادثة الإسراء حسبما ذكرت وزارة الأوقاف؛ إذ مثّل التوجه نحو الأقصى في الصلاة إعلانًا لوحدة المصدر الإلهي وتصديقًا لما بين يدي النبي ﷺ من النبوة، قال الله عزوجل: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَٰبَ لَیَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا یَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وجاء في هذا السياق عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ" [أخرجه أحمد في مسنده برقم (٢٩٩١)]، وهذا الربط المكاني أكده الإمام ابن كثير ببيان الحكمة من هذا التوجه، حيث قال: "وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ" [ ابن كثير، البداية والنهاية، ،ج٤، ص٣٢]،وهذا فيه ربطٌ عظيم بين المسجدين وتأليفٌ لقلوب أهل الكتاب.
إمامة الأنبياء في المسجد الأقصى.. ميثاق السيادة والرباط الثاني
حين وصل النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى ليلة الإسراء، تجسد الرباط الثاني في تلك الصلاة الجامعة التي ضمت موكب الأنبياء خلف إمامهم الخاتم، لتكون إعلانًا بانتقال القيادة الروحية للعالم، فقد ورد عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجُمِعَ لِي الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» [أخرجه النسائي في سننه (٤٥٠)] .
وعن المقصد العلمي لهذه الإمامة، ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال "لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس جمع الله له الأنبياء آدم فمن دونه وكانوا سبعة صفوف: ثلاثة صفوف من الأنبياء المرسلين، وأربعة من سائر الأنبياء، وكان خلف ظهره إبراهيم الخليل، وعن يمينه إسماعيل وعن يساره إسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين" [السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون ١ /٥٢٦].
إن في الاقتران الزمني بين إسرائه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماوات السبع، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى.
وفيه دلالة واضحة أيضًا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي ابتعثهم الله عز وجل به [فقه السيرة النبوية، الإمام البوطي، ص١٦٦].
فرضية الصلاة في السماء.. تشريعٌ جاوز حدود المادة
لقد خصَّ الله سبحانه وتعالى فريضة الصلاة بمزيةٍ لم تشاركها فيها عبادةٌ أخرى؛ إذ لم تنزل بها الملائكة إلى الأرض كسائر الشرائع، بل عُرج بالنبي ﷺ إلى السماوات العُلا ليتلقاها مشافهةً من رب العزة بلا واسطة، في ليلة الإسراء والمعراج، وهذا التفرد في مكان الفرض وكيفيته يبرز علوّ شأن الصلاة في ميزان الشريعة، وأنها الصلة المباشرة بين العبد وربه. وفي هذا المشهد العظيم، يروي لنا النبي ﷺ قصة فرض الصلاة وكيف تجلت رحمة الله في تخفيفها، قائلًا: «مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تبارك وتعالى وَبَيْنَ مُوسَى عليه السلام حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ» [أخرجه مسلم في صحيحه برقم (١٦٢)].
يُجلي هذا الحديث العظيم واسع رحمة الله بعباده ولطفه بهذه الأمة؛ فقد خفف الله عنهم العبادة في العمل والعدد، وأبقاها عظيمة في الأجر والثواب، فجعل الصلوات الخمس في الأداء تعدل خمسين في الميزان، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿مَا یُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَیَّ﴾ [ق: ٢٩]، كما يبرز الحديث جانبًا من فقه النصيحة والأخوة بين الأنبياء، متمثلًا في نصيحة سيدنا موسى عليه السلام، ويختتم بدرسٍ بليغ في أدب النبي ﷺ وحيائه من ربه، ورضاه بما قُسم له ولأمته من الخير والتيسير.
أهمية الصلاة.. معراج المؤمن والصلة الدائمة بالله
ولم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد تشريفٍ خاصٍّ بالنبي ﷺ وانتهى بوقته، بل أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل لأمة محمد نصيبًـا من هذا العروج والسمو الروحي، فإذا كان النبي ﷺ قد طوى المسافات بجسده وروحه ليقف بين يدي ربه؛ فإن الله تفضل على المؤمنين بأن شرع لهم عبادةً تمكنهم من استحضار تلك المعاني العلوية وهم على الأرض، فكانت الصلاة هي الهدية التي حملها النبي من السماء ليعرج بها أتباعه كل يومٍ خمس مرات، مما يكشف عن ترابطٍ وثيقٍ بين الحدث والتشريع.
إن الحكمة النهائية من هذا التسلسل (إسراء، ثم معراج ثم صلاة) هي جعل المؤمن في حالة اتصال دائم بالخالق، لتكون صلاته هي معراجه الشخصي الذي يترقى به من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وفي هذا المعنى يقول الإمام الرازي رحمه الله تعالى: "فَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ السَّبْعُ الْمَذْكُورَةُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ عِنْدَ صُعُودِهِ إِلَى الْمِعْرَاجِ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِعْرَاجِ فَاضَ أَثَرُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَظْهَرِ فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ، فَمَنْ قَرَأَهَا فِي صَلَاتِهِ صَعِدَتْ هَذِهِ الْأَنْوَارُ مِنَ الْمَظْهَرِ إِلَى الْمَصْدَرِ كَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْأَنْوَارُ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَظْهَرِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ ﷺ: «الصَّلَاةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ»". [مفاتيح الغيب (١/ ٢٢٦)]
وبهذا النظر الدقيق يتبين أن الصلاة ليست مجرد حركاتٍ وأقوالٍ تؤدى حكمًـا، بل هي رحلة عكسية تصعد فيها روح المؤمن من (المظهر) وهو عالم الأجساد الكثيفة؛ لتعود وتتصل بـ (المصدر) وهو عالم الأنوار اللطيفة، فكلما رتل المصلي الفاتحة، واستحضر عظمة الوقوف بين يدي الله؛ انزاحت عنه حجب الغفلة، وارتقى في مدارج القرب، محققًـا بذلك الغاية العظمى من فرض الصلاة في السماء، وهي أن تظل أرواح المؤمنين معلقةً بالملأ الأعلى، وإن كانت أقدامهم تمشي على الأرض



