ستنطلق الدورة السابعة والخمسون لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026 في مركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس في القاهرة، على أن يفتح المعرض أمام الجمهور اعتبارًا من 22 يناير 2026.
ومع اقتراب موعد معرض القاهرة الدولي للكتاب، يعود الكتاب إلى واجهة النقاش الثقافي العربي، وتستعيد القراءة حضورها في الفضاء العام، ولو مؤقتًا، عبر الأجنحة المكتظة، والندوات المصاحبة، واللقاءات التي تجمع القراء بالكتاب والناشرين. ويبدو المعرض، في هذه اللحظة، وكأنه موعد سنوي تتجدد فيه العلاقة بين المجتمع والكتاب، وتعلق عليه آمال كبيرة في إنعاش الفعل القرائي وتعزيز الحضور الثقافي في الحياة اليومية.
غير أن هذا المشهد المألوف، على غناه الرمزي، يدفع إلى طرح سؤال أعمق يتجاوز لحظة الافتتاح وحماس الزوار: هل تنجح معارض الكتب، وفي مقدمتها معرض القاهرة، في صناعة قراء حقيقيين، أم تظل القراءة مرتبطة بزمن المعرض أكثر مما ترتبط بسلوك ثقافي مستدام؟ فبين الزحام الجميل والحقائب الممتلئة، تتوارى أسئلة الجوهر حول أثر هذه التظاهرات في بناء قارئ واع، يمارس القراءة بوصفها فعلًا يوميًا لا طقسًا موسميًا.
وتسعى هذه القراءة النقدية الهادئة إلى مقاربة دور معارض الكتب في العالم العربي، انطلاقًا من التجربة المصرية، ومقارنتها بتجارب عربية ودولية أخرى، من أجل مساءلة قدرتها على الانتقال من الاحتفاء بالكتاب إلى صناعة القارئ، ومن الحدث الثقافي العابر إلى المشروع الثقافي طويل النفس.
تشهد معارض عربية كبرى، مثل المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط أو معرض القاهرة الدولي للكتاب، إقبالًا جماهيريًا لافتًا، يقدم غالبًا بوصفه مؤشرًا إيجابيًا على علاقة المجتمع بالكتاب. ولا شك أن هذا الحضور المكثف يعكس تعطشًا ثقافيًا حقيقيًا، ورغبة في الاقتراب من المعرفة، خصوصًا في زمن تتراجع فيه مساحات الثقافة في الحياة اليومية. غير أن كثافة الزوار لا تعني بالضرورة ترسخ الممارسة القرائية، فكثير من الزائرين يخرجون بحقائب مليئة بالكتب، بينما تتوقف القراءة عند لحظة الشراء، لتتحوّل إلى فعل مؤجّل أو رمزي. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين اقتناء الكتاب وصناعة القارئ؛ فالأولى فعل لحظي، أما الثانية فهي مسار طويل يحتاج إلى بيئة ثقافية داعمة تتجاوز زمن المعرض.
تظهر تجارب دولية، مثل معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، أن المعرض يمكن أن يكون فضاءً لإنتاج المعنى لا مجرد سوق. فهناك، لا يحتل البيع الصدارة بقدر ما تمنح الأولوية للنقاش حول مستقبل القراءة، وحقوق النشر، والتحولات الرقمية، وعلاقة الأدب بقضايا المجتمع. كما تسهم اللقاءات المفتوحة وورشات القراءة في خلق علاقة تفاعلية بين القارئ والنص، تجعل القراءة تجربة حية، لا سلعة عابرة. وفي هذا السياق، يصبح المعرض محطة ضمن مسار ثقافي ممتد، لا ذروة موسمية سرعان ما تنطفئ.
وفي العالم العربي، بدأت بعض المعارض تسلك هذا الاتجاه، كما في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي استثمر بشكل لافت في برامج موجهة للأطفال واليافعين، وورشات للقراءة الإبداعية، وحلقات النقاش مع الكتاب. ويعكس هذا التوجه وعيًا متزايدًا بأن صناعة القارئ تبدأ من التجربة ومن الإحساس بأن الكتاب مساحة للمتعة والاكتشاف، لا من الخصومات والعروض التجارية وحدها. ومع ذلك، يظل هذا الجهد محدود الأثر ما لم يربط بسياسات ثقافية مستمرة ترافق القارئ قبل المعرض وبعده.
يظل الطفل محورًا أساسيًا في سؤال صناعة القارئ. فرغم تخصيص معظم المعارض أجنحة للأطفال، يبقى التحدي قائمًا: هل تقدم القراءة للطفل بوصفها متعة واكتشافًا، أم مجرد نشاط ترفيهي معزول عن سياقه التربوي؟ تظهر تجارب مثل معرض بولونيا الدولي لكتاب الطفل كيف يمكن للمعرض أن يتحول إلى منظومة متكاملة، تربط بين الناشر، والمربي، والمؤلف، وتنتج محتوى يرافق الطفل داخل المدرسة وخارجها. في المقابل، لا تزال كثير من المعارض العربية تعاني من ضعف الربط بين المعرض والمؤسسات التعليمية والمكتبات العمومية، ما يجعل أثرها على المدى البعيد محدودًا.
كثيرًا ما تقدم معارض الكتب بوصفها آخر حصون الكتاب الورقي في مواجهة الوسائط الرقمية، غير أن هذا الخطاب يُخفي سؤالًا أعمق: المشكلة ليست في الورق أو الشاشة، بل في تراجع الفعل القرائي نفسه. وقد أدركت معارض دولية، مثل معرض لندن للكتاب، هذا التحول، فوسعت النقاش ليشمل الكتاب الرقمي، والسمعي، ومنصات المعرفة، بدل الاكتفاء بخطاب نوستالجي يحمل التكنولوجيا مسؤولية عزوف القارئ. فالقارئ المعاصر قارئ هجين، يتنقل بين الوسائط، ويبحث عن محتوى ذي معنى، لا عن شكل واحد للكتاب.
لا يمكن تحميل معارض الكتب وحدها مسؤولية صناعة القارئ، لكنها تظل عنصرًا محوريًا إذا ما اندمجت في رؤية ثقافية شاملة. فصناعة القارئ تتطلب سياسات ثقافية مستمرة لا موسمية، وشراكة حقيقية بين المعرض، والمدرسة، والمكتبة العمومية، وإعلامًا ثقافيًا يواكب الكتاب بعد انتهاء المعرض، لا خلاله فقط. كما تتطلب الثقة في القارئ واحترام ذكائه، بدل الاكتفاء بخطابات ترويجية تختزل القراءة في حدث احتفالي.
لا تزال معارض الكتب تمتلك قوة رمزية وثقافية كبيرة في العالم العربي، لكنها تقف اليوم أمام مفترق طرق هادئ وحاسم: إما أن تبقى احتفالات موسمية بالكتاب، أو أن تتحول إلى محركات حقيقية لصناعة القراء. والفرق بين الخيارين لا يقاس بعدد الزوار أو الكتب المباعة، بل بقدرتها على إيقاظ الرغبة في القراءة، وتحويلها إلى ممارسة يومية متجذرة في الحياة الفردية والجماعية. فالقارئ الحقيقي لا يولد في يوم افتتاح المعرض، بل يصنع في الزمن الطويل للثقافة.