عاجل

ليس كل من يطرق بابك صديقًا، ولا كل من يبتسم لك جاء بدافع المودة. في زمن تتسارع فيه المصالح وتتبدل القيم، أصبحت العلاقات تُختبر أحيانًا بميزان الربح والخسارة، لا بعمق الود ولا بصدق النوايا. هنا يظهر ما يُعرف بـ«أصحاب المصالح»؛ أولئك الذين يقتربون حين تنفعهم، ويبتعدون عندما تنتهي الفائدة.
أصحاب المصالح ليسوا فئة عمرية محددة، ولا يرتبط وجودهم بمرحلة زمنية بعينها. قد تجدهم في مقتبل العمر، كما قد تصادفهم في سن متقدمة. الفارق الوحيد هو الخبرة؛ فكلما تقدم الإنسان في العمر، ازدادت قدرته على التمييز بين من يصاحبه لذاته، ومن يصاحبه لما يملك أو يستطيع تقديمه. العمر هنا لا يمنح حصانة، لكنه يمنح بصيرة.
ما الذي يكسبه أصحاب المصالح؟ في الظاهر، يحققون مكاسب سريعة: خدمة تُقضى، باب يُفتح، أو فرصة تُمنح. لكن هذه المكاسب غالبًا ما تكون مؤقتة، لأنها قائمة على علاقة هشة، لا تتحمل اختبار الزمن أو الأزمات. فحين تتغير الظروف، تتغير الوجوه، وتختفي الاتصالات، وكأن شيئًا لم يكن.
العلاقة القائمة على المصلحة وحدها لا تدوم. فهي تفتقر إلى عنصر أساسي: الاستمرارية. الصداقة الحقيقية تُبنى على التبادل الإنساني، لا على الاستغلال. على الدعم المتبادل، لا على الحسابات الباردة. لذلك، غالبًا ما تنتهي علاقات المصالح بصمت، أو بقطيعة مفاجئة، أو بخيبة أمل تترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى الطرف الذي ظن أن العلاقة أصدق مما هي عليه.
من يصاحبك لمصلحة قد يجاملك، وقد يظهر اهتمامًا مبالغًا فيه، لكنه في العمق يراقب ما يمكن أن يحصل عليه. وعندما تنتهي المنفعة، ينتهي الاهتمام. هذه الحقيقة القاسية يدركها كثيرون بعد تجارب متكررة، وبعضهم لا يكتشفها إلا بعد أن يدفع ثمن الثقة الغالية.
في المقابل، يؤمن كثيرون بأن العدالة الإلهية لا تغيب. فالله، كما يعتقدون، لا يترك الإنسان وحيدًا بعد خذلان، بل يعوضه بمن هو خير له. قد يكون التعويض شخصًا صادقًا، أو علاقة أنقى، أو حتى راحة قلب بعد انكشاف الحقائق. فخسارة أصحاب المصالح ليست خسارة حقيقية، بل تصفية ضرورية لمساحة الحياة.
الوعي بهذه الظاهرة لا يعني الشك في الجميع، ولا الانغلاق عن العلاقات، بل يدعو إلى التوازن: أن نمنح الثقة بحكمة، وأن نقرأ الأفعال لا الأقوال، وأن نفهم أن بعض الغياب نعمة متخفية.
في النهاية، تبقى العلاقات الصادقة نادرة، لكنها موجودة. وهي وحدها القادرة على الصمود أمام تقلبات الحياة. أما أصحاب المصالح، فيبقون عابرين، مهما طال بقاؤهم، لأن ما بُني على المنفعة فقط… لا عمر له.

تم نسخ الرابط