عاجل

رغم سيطرة واشنطن على نفط فنزويلا.. لماذا قد يكون سقوط مادورو مكسبا للصين؟

الصين وفنزويلا
الصين وفنزويلا

أعادت الغارة الأمريكية الأخيرة التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو وزوجته، فجر يوم السبت 3 يناير 2026، فتح باب الجدل على مصراعيه حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في أمريكا اللاتينية، وحدود تدخل واشنطن في المنطقة.

وبحسب ما أعلنته السلطات الفنزويلية، أسفرت العملية عن مقتل ما لا يقل عن 80 شخصًا، بينهم عدد من المدنيين، في مشهد يعكس بوضوح إصرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ترسيخ نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، والعمل على تقليص الحضور الصيني المتنامي، ولو مرحليًا.

قصف فنزويلا
قصف فنزويلا

ورغم ذلك، شددت واشنطن على أن الغارة لم تكن مدفوعة برغبة في السيطرة على احتياطيات فنزويلا النفطية الهائلة، بل جاءت بهدف ضمان بقاء البلاد بمنأى عن نفوذ خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم الصين وروسيا وإيران،  وفق ما نقلته مجلة "نيوزويك".

غير أن هذه الخطوة لا تخلو من مخاطر كبيرة، حيث قد تؤدي إلى تصعيد التوترات الإقليمية، وتغذية مشاعر الرفض الشعبي للتدخل الأمريكي المباشر، فضلًا عن إثارة تساؤلات جوهرية بشأن احترام سيادة الدول في أمريكا اللاتينية.

خسارة تكتيكية ومكاسب دبلوماسية محتملة

تزامن وجود وفد صيني في العاصمة كاراكاس مع تنفيذ الغارة، إلا أن الحدث كشف محدودية قدرة بكين على الرد على التحركات الأمريكية داخل ما يعد تقليديًا مجال نفوذ واشنطن.

وأبرزت العملية إخفاق نظام الرادار الصيني JY-27A في توفير إنذار مبكر، إلى جانب امتناع الصين عن تقديم أي دعم عسكري مباشر، ما سلط الضوء على الفجوة بين النفوذ السياسي والاقتصادي الذي تمتلكه بكين في فنزويلا، وقدرتها الفعلية على حماية حلفائها.

ورغم هذه الخسارة التكتيكية، يرى محللون أن الصين قد تنجح في تحويل الموقف إلى مكسب دعائي ودبلوماسي على المدى المتوسط.

وقال إيفان إليس، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب الأمريكية، إن الصين قد تستغل حالة الاستياء الإقليمي من الغارة الأمريكية لتقديم نفسها كحليف موثوق وغير متدخل، الأمر الذي قد يعزز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول تسعى إلى تنويع شراكاتها بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.

الرئيس الصيني تشي جين بينج ومادورو
الرئيس الصيني تشي جين بينج ومادورو

وفي السياق ذاته، أصدر ليو بينجيو، المتحدث باسم السفارة الصينية، بيانًا عكس هذا التوجه، أكد فيه إدانة بلاده لما وصفه بـ"الأعمال الأحادية وغير القانونية" للولايات المتحدة، مشددًا على استمرار الصين في التعاون الودي مع دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، وحماية مصالحها المشروعة، ودعم الأمن والاستقرار في المنطقة.

مستقبل النفوذ الأمريكي والصيني

تمثل الغارة الأمريكية على مادورو نقطة تحول جديدة في صراع النفوذ بين واشنطن وبكين داخل أمريكا اللاتينيةـ ففي الوقت الذي تستعرض فيه الولايات المتحدة قوتها العسكرية، وتفرض رؤيتها على الحكومة الفنزويلية الجديدة بقيادة ديلسي رودريجيز، تجد الصين نفسها في موقع هامشي من حيث التأثير المباشر، لكنها قد تحصد مكاسب سياسية من خلال خطابها الرافض للهيمنة الأمريكية.

وفي المقابل، تشكل العملية اختبارًا حقيقيًا لقدرة واشنطن على إدارة نفوذها الإقليمي دون إثارة ردود فعل معاكسة من الشارع المحلي أو حكومات المنطقة، لا سيما في ظل تصاعد الانتقادات الدولية لسياسات "القوة الأحادية".

ويرى محللون أن الإدارة الأمريكية ستكون مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين حماية مصالح الطاقة وتعزيز الهيمنة الإقليمية، وبين الحفاظ على صورة الولايات المتحدة لدى شعوب أمريكا اللاتينية.

ومن منظور استراتيجي أوسع، قد تجد الصين في هذه التطورات فرصة لتعزيز مكانتها كشريك اقتصادي وسياسي مستقر، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات متزايدة للحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة.

ولذلك لا تقتصر الغارة الأمريكية على مادورو على كونها مواجهة حول النفط أو السلطة، بل تمثل اختبارًا معقدًا لتوازن القوى بين واشنطن وبكين في أمريكا اللاتينية خلال السنوات المقبلة.

تم نسخ الرابط