700 مليون دولار تكلفة المصنع.. خبير يطرح حلولًا لتوطين صناعة ألبان الأطفال|خاص
أكد الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن ملف توطين صناعة ألبان الأطفال ليس ملفًا جديدًا، مشيرًا إلى أن الرئيس السيسي كان تحدث عن هذا الموضوع منذ سنوات مضت، عندما وجه بضرورة تطوير هذه الصناعة الحيوية، وإنشاء مصانع محلية قادرة على تغطية الاستهلاك المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأوضح "الإدريسي"، في تصريحات خاصة لموقع "نيوز رووم" أن الهدف الأساسي من هذه التوجيهات كان تقليص فاتورة الاستيراد، خاصة أن المنتجات المستوردة تأثرت بشكل مباشر بتراجع قيمة الجنيه المصري، وهو ما أدى إلى تضاعف الأسعار بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
تراجع الجنيه وتأثيره على أسعار ألبان الأطفال
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن سعر الدولار ارتفع من حدود 15–16 جنيهًا في سنوات سابقة إلى ما يقرب من 47 جنيهًا حاليًا، أي أنه تضاعف أكثر من ثلاث مرات، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار ألبان الأطفال المستوردة، لتصبح خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين.
وأضاف أن هذه الأزمة جعلت فكرة وجود مصانع محلية لإنتاج ألبان الأطفال ضرورة ملحّة، ليس فقط لتغطية احتياجات السوق المحلي، بل أيضًا لفتح آفاق التصدير، خاصة في ظل وجود سوق أفريقي واسع قادر على استيعاب هذه المنتجات بكميات كبيرة.
قدرات إنتاجية محدودة ومصنع واحد لا يكفي
وأوضح "الإدريسي" أن مصر تمتلك بالفعل مصنعًا محليًا لإنتاج ألبان الأطفال، وهو مصنع مصري قائم بالفعل، لكنه شدد على أن وجود مصنع واحد لا يمكن أن يكون كافيًا لتغطية الطلب المحلي المتزايد.
وأكد أن حجم الطلب السنوي في مصر يقدر بنحو 50 مليون عبوة من ألبان الأطفال، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي نحو 25 مليون عبوة فقط، أي أن نصف الاحتياجات يتم استيراده من الخارج.
وأضاف أن هذا العجز مرشح للزيادة مع الزيادة السكانية المستمرة، وهو ما يعني أن حجم الاستيراد سيزداد تلقائيًا إذا لم يتم التوسع في التصنيع المحلي.
فوضى الأسعار والسوق الموازية
وتطرق "الإدريسي" إلى أزمة التسعير، موضحًا أن السعر الرسمي لعبوة لبن الأطفال قد يكون في حدود 150 إلى 160 جنيهًا، لكن الحصول عليها بهذا السعر الرسمي يمثل تحديًا كبيرًا للأسر.
وأوضح أن المواطن يضطر في كثير من الأحيان إلى اللجوء للسوق الحرة أو غير الرسمية، حيث ترتفع الأسعار إلى 300 جنيه، وقد تصل في بعض الأنواع إلى 500 أو 600 جنيه، بل وأحيانًا إلى 800 جنيه، وهو ما يعكس وجود ممارسات تجارية جشعة تستغل حاجة المواطنين.
منظومة الدعم الحكومي وحدود فعاليتها
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الحكومة بالفعل تقدم دعمًا لألبان الأطفال، من خلال برامج موجهة للأطفال الأكثر احتياجًا، وبآليات محددة تشمل عددًا معينًا من العبوات شهريًا، مع وجود ضوابط خاصة بحالات التوائم أو الظروف الصحية للأم.
إلا أنه شدد على أن هذه المنظومة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها، لأن كثيرًا من الأسر تتجاوز الحد المسموح به من الدعم، فتُجبر على الشراء من السوق بأسعار مرتفعة.
لماذا تأخر إنشاء مصانع جديدة؟
وتساءل "الإدريسي" عن أسباب تأخر إنشاء مصانع إضافية لألبان الأطفال حتى الآن، موضحًا أن السبب الرئيسي يعود إلى طبيعة المناخ الاستثماري والتكلفة المرتفعة للغاية لإنشاء مصنع متكامل.
وأوضح أن إنشاء مصنع واحد لإنتاج ألبان الأطفال يتطلب استثمارات لا تقل عن 700 مليون دولار، بخلاف تكلفة استيراد المواد الخام والتكنولوجيا المتقدمة اللازمة للإنتاج، وهو ما يجعل الأمر شديد التعقيد من الناحية المالية.
الحل في إشراك القطاع الخاص لا تحميل الدولة وحدها
وأكد "الإدريسي" أن الدولة لا يجب عليها أن تتحمل وحدها عبء إنشاء كل هذه المصانع، موضحًا أنه لا توجد حكومة في العالم قادرة على تنفيذ كل المشروعات بنفسها.
وشدد على أن الحل الأمثل يكمن في تحفيز القطاع الخاص، من خلال تقديم حوافز استثمارية حقيقية، وتخصيص أراضٍ صناعية، والمساهمة في البنية التحتية، والدخول في شراكات بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث يقوم القطاع الخاص بالبناء والإنتاج والتشغيل، ويحقق أرباحًا، بينما تستفيد الدولة من وجود صناعة استراتيجية محلية.
وأكد أن أزمة ألبان الأطفال ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل قضية أمن غذائي وصحي تمس الأجيال القادمة، خاصة في ظل وجود حالات سوء تغذية، وأمهات غير قادرات على الرضاعة الطبيعية، وأسر غير قادرة على تحمل تكاليف العلاج أو التغذية
ضرورة التنسيق بين الوزارات
وشدد "الإدريسي" على ضرورة وجود تنسيق كامل بين وزارات التضامن الاجتماعي، والصحة، والصناعة لوضع حلول جذرية ومستدامة لأزمة ألبان الأطفال، مؤكدًا أن هذا الملف لا يحتمل الحلول المؤقتة أو المسكنات.
التجارب الدولية ودور القطاع الخاص
وأوضح أن العديد من الدول النامية نجحت في توطين صناعة الألبان، مثل دول في آسيا وأمريكا اللاتينية، من بينها تايلاند والبرازيل، مؤكدًا أن إشراك القطاع الخاص كان العامل الحاسم في نجاح هذه التجارب.
وأكد أن مصر، رغم أنها أكبر دولة أفريقية من حيث الإنتاج الصناعي، إلا أن إنتاجها الحالي لا يكفي احتياجاتها، وهو ما يتطلب تحركًا عاجلًا.
وأوضح الدكتور علي الإدريسي أن توطين صناعة ألبان الأطفال لم يعد رفاهية أو خيارًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية وصحية واجتماعية، تتعلق بمستقبل أجيال كاملة، وتتطلب إرادة سياسية واضحة، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، وحلولًا عملية قابلة للتنفيذ في أسرع وقت ممكن.