من ثروة كامنة إلى وباء بصري.. القمامة تغزو الشوارع من المسئول؟
انتشار القمامة في الشوارع لم يعد أزمة نظافة فقط، بل مؤشر واضح على خلل في منظومة كاملة تبدأ من سلوك المواطن ولا تنتهي عند غياب الرقابة وضعف الإدارة المحلية. وبين إلقاء المخلفات عشوائيًا وتأخر جمعها، تضيع المسؤولية وتبقى الشوارع هي الضحية.
انتشار القمامة
ورغم أن المواطن يُتهم دائمًا بأنه السبب الرئيسي في انتشار القمامة، إلا أن الواقع يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بغياب الإدارة المحلية وضعف منظومة الجمع والتدوير، وغياب الحلول المستدامة، وأبرز هذه الأزمة عدة تساؤلات منها من المسؤول عن هذه الظاهرة المتفاقمة؟ هل هو المواطن الذي يفتقر أحيانًا إلى الوعي والالتزام بالسلوك الحضاري؟ أم الجهات المسؤولة التي تغيب عنها الرقابة وتضعف فيها منظومة الجمع والتدوير؟، وفي التقرير التالي تجيب نيوز رووم، عن كل هذه الأسئلة:
كيفية إدارت أزمة القمامة والتخلص منها؟
فمن جانبه قال الدكتور سيد قاسم، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة أسيوط، إن التعامل مع ملف القمامة في الشوارع لا بد أن يبدأ أولًا بالفصل بين أنواع المخلفات، موضحًا أن ما يشغل المواطن حاليًا هو المخلفات الصلبة المنزلية المنتشرة في الأحياء والشوارع، وليس المخلفات الصحية أو مخلفات الصرف الصحي، ولكل نوع منها أسلوب مختلف في الإدارة والتخلص الآمن.
وأوضح قاسم، في تصريحات خاصة لـ «نيوز رووم»، أن وجود القمامة في حد ذاته أمر طبيعي في أي مدينة، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في كيفية إدارتها والتخلص منها، مشيرًا إلى أن الدول المتقدمة نجحت في تحويل القمامة من عبء بصري وصحي إلى مورد اقتصادي من خلال منظومة واضحة للفرز من المنبع.
وأضاف أنه أجرى دراسات سابقة عن بعض المدن الأوروبية، مثل مدن في ألمانيا، حيث يتم تخصيص صناديق قمامة متنوعة داخل الأحياء والحدائق، بحيث يكون لكل نوع من المخلفات صندوق مستقل، سواء للزجاج بأنواعه، أو للمخلفات العضوية، أو البلاستيك، أو الورق، أو حتى الملابس، وهو ما يسهل عملية إعادة التدوير ويخفض التكلفة والجهد.
جمع القمامة من الأهلي
وأشار أستاذ التخطيط العمراني إلى أن الوضع في مصر يختلف تمامًا، حيث ما زالت أغلب مقالب القمامة تضم جميع أنواع المخلفات مختلطة، ما يفتح الباب أمام ما يُعرف بجمع القمامة الأهلي، أو ما يقوم به “الزبالون”، موضحًا أنهم يخففون عبئًا كبيرًا عن الدولة، لكن المشكلة أنهم يأخذون المواد القابلة للبيع مثل البلاستيك والمعادن، ويتركون باقي المخلفات مبعثرة في الشوارع، ما يزيد من سوء المشهد البيئي.
وتطرق "قاسم" إلى أزمة إزالة صناديق القمامة من بعض الأحياء، مشيرًا إلى أن بعض الجهات لجأت إلى ذلك بدعوى اعتبارات أمنية أو تنظيمية، دون توفير بدائل حقيقية، وهو ما أدى إلى إلقاء القمامة مباشرة في الشوارع والأرصفة، معتبرًا أن هذا القرار ساهم في تفاقم الأزمة بدلًا من حلها.
إعادة تنظيم منظومة جمع القمامة
وأكد أن الحل يكمن في إعادة تنظيم منظومة جمع القمامة داخل الأحياء، من خلال إنشاء نقاط تجمع ثابتة تضم عدة صناديق، تكون مؤمنة ومراقبة، ويتم التنسيق بينها وبين المحليات لرفع المخلفات بانتظام، مشددًا على أن القمامة تمثل ثروة كامنة في شكل غير مقبول إذا أُحسن استغلالها.
وأوضح أن طبيعة القمامة تختلف من حي إلى آخر ومن مستوى اجتماعي إلى آخر، فالقمامة في الأحياء الراقية تختلف عن الأحياء الشعبية، كما تختلف في المناطق السياحية عن المناطق السكنية، وهو ما يتطلب حلولًا مرنة تتناسب مع طبيعة كل منطقة، مؤكدًا على أن إدارة المخلفات الصلبة يجب أن تُعامل باعتبارها خدمة عامة أساسية مثل الصحة والتعليم والمواصلات، داعيًا إلى تفعيل دور هيئات النظافة بالمحافظات، واستثمار ملف إعادة التدوير بشكل علمي ومنهجي، لما له من عائد اقتصادي وبيئي كبير على الدولة والمجتمع.
خللًا واضحًا في التخطيط والمتابعة
قال الدكتور حمدي عرفه، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، إن انتشار القمامة في الشوارع والميادين والأماكن العامة لم يعد مجرد مظهر عشوائي، بل أصبح أزمة إدارة محلية ومساءلة مؤسسية قبل أن يكون أزمة سلوك فردي، مشيرًا إلى أن تراكم المخلفات يعكس خللًا واضحًا في التخطيط والمتابعة وتحديد المسؤوليات داخل منظومة المحليات.
وأضاف عرفه، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، إلى أن الأحياء هي الجهة التنفيذية الأولى المسؤولة عن ملف النظافة من حيث الإشراف اليومي، ومتابعة شركات الجمع، وتطبيق القانون، مؤكدًا أن غياب الرقابة الفعالة وضعف الإمكانيات البشرية والفنية في بعض الأحياء أدى إلى تراجع مستوى الخدمة وترك الشارع دون إدارة حقيقية.
وأوضح أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن تداخل الاختصاصات بين الحي والمحافظة وشركات النظافة خلق حالة من غياب المسؤول المحدد، وهو ما سمح باستمرار التقصير دون محاسبة، لافتًا إلى أن بعض عقود شركات النظافة تفتقر إلى معايير أداء واضحة وآليات رقابة صارمة، ما يحولها أحيانًا إلى التزام مالي بلا خدمة ملموسة على أرض الواقع.
وأكد الدكتور حمدي عرفه أن تحميل المواطن وحده مسؤولية القمامة طرح غير عادل، مشددًا على أن المواطن شريك في الحل، لكنه لا يستطيع الالتزام في ظل نقص صناديق القمامة، وعدم انتظام الجمع، وضعف التوعية، وغياب الردع المنظم والعادل.
استمرار هذه الظاهرة يترتب عليه آثار صحية وبيئية خطيرة
ولفت أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، إلى أن استمرار هذه الظاهرة يترتب عليه آثار صحية وبيئية واقتصادية خطيرة، تشمل انتشار الأمراض، وتلوث البيئة، وتشويه المشهد الحضاري، وانخفاض قيمة العقارات، وتراجع الشعور بالانتماء والمسؤولية العامة.
وشدد الدكتور حمدي عرفه على أن الحل يبدأ من إرادة إدارية حقيقية، داعيًا إلى إعادة هيكلة منظومة المخلفات الصلبة، وتحديد مسؤول مباشر عن النظافة في كل حي مع محاسبة فورية، وربط أجور شركات النظافة بمؤشرات أداء فعلية، وتفعيل الرقابة اليومية باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
وأشار إلى أهمية إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في منظومة الجمع وإعادة التدوير، والتوسع في اقتصاد التدوير لتحويل القمامة من عبء إلى مورد، مؤكدًا أن النظافة حق أصيل للمواطن، وأحد معايير نجاح الإدارة المحلية وبناء دولة حديثة تحترم الإنسان والمكان.
الصورة الحضرية للمدن لا تتعلق فقط بالشكل الخارجي
قال الدكتور محمد إبراهيم جبر، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة عين شمس، إن الصورة الحضرية للمدن لا تتعلق فقط بالشكل الخارجي، لكنها ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالقيمة الجمالية للمكان، والتي تشمل مستوى النظافة، وانتشار المسطحات الخضراء، وعناصر الأمان، والتناسق البصري العام، مؤكدًا أن هذه المنظومة تمثل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
وأوضح جبر أن الجمال الحضري يعد عنصرًا أساسيًا في تعزيز ما يُعرف بـ«جودة الحياة»، إذ يتأثر الإنسان نفسيًا وسلوكيًا بالبيئة المحيطة به، مشيرًا إلى أن انتشار المخالفات العمرانية أو ما يُطلق عليه «التلوث أو الوباء البصري» يؤدي إلى تراجع الحالة النفسية للسكان، وقد ينعكس على سلوكياتهم بشكل سلبي.
وأضاف أن سلوك الإنسان يرتبط بدرجة كبيرة بطبيعة البيئة التي يعيش فيها، فإذا افتقدت البيئة إلى التنسيق الجيد من حيث الشكل، وتوزيع الفراغات، ونسب المسطحات الخضراء، وعناصر الأمان، والألوان، فإن ذلك ينعكس تلقائيًا على المجتمع ويؤثر على جودة الحياة بشكل عام.
ولفت أستاذ التخطيط العمراني إلى أن هذا المفهوم هو ما تستند إليه شركات التطوير العقاري عند تسويق الكمبوندات والمجتمعات السكنية الجديدة، حيث يتم «بيع الصورة الذهنية» للمكان، وربط السكن بالجمال والتنظيم والراحة النفسية، وهو ما يؤكد أهمية الصورة الحضرية في وعي المواطنين.
وفيما يخص أزمة القمامة، شدد جبر على أنها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، موضحًا أن التعامل المجتمعي مع هذه القضية يرتبط بما يُعرف بـ«الثقافة الحاكمة»، والتي تتشكل بدرجة كبيرة عبر وسائل الإعلام والخطاب العام.
وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبرى في الارتقاء بالوعي الثقافي
وأكد أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبرى في الارتقاء بالوعي الثقافي والجمالي للمجتمع، من خلال ترسيخ قيمة الجمال، وربطها بنظافة الشوارع واحترام الفراغ العام، والتحذير من مخاطر التشويه البصري الناتج عن القمامة أو مخالفات البناء أو الإعلانات العشوائية.
وأشار إلى أن دور الدولة لا يقتصر على التوعية فقط، بل يشمل أيضًا توفير الآليات والأدوات اللازمة للتعامل السليم مع القمامة، ووضع سياسات واضحة لجمعها، والحفاظ على صورة المكان، إلى جانب إخضاع الجهات المسؤولة عن جمع القمامة لرقابة صارمة.
وانتقد جبر تعدد الجهات العاملة في جمع القمامة دون تنسيق، موضحًا أن بعض العاملين يركزون على فرز المواد القابلة للبيع مثل البلاستيك والمعادن، ويتركون باقي المخلفات في الشوارع، ما يفاقم من مشكلة التلوث البصري وغياب النظافة.
وشدد على ضرورة أن تكون الأجهزة الرقابية أكثر جدية في التعامل مع هذا الملف، مع وضع سياسات واضحة لنقاط تجميع القمامة، وتنظيم عملية الفرز، مؤكدًا أن تجربة فصل المخلفات من المنبع معمول بها في العديد من دول العالم، ويمكن تطبيقها في مصر إذا توفرت الأدوات والبنية التحتية المناسبة.
واختتم أستاذ التخطيط العمراني تصريحاته بالتأكيد على أن الحفاظ على جمال المكان مسؤولية جماعية، تتطلب تكامل دور الدولة، والمجتمع، ووسائل الإعلام، من خلال استراتيجيات توعوية مستمرة تعزز احترام الفراغ العام وترسخ قيمة الجمال كأحد مقومات جودة الحياة.