للخوف من العدوى ..ما حكم تغطية المرأة وجهها بالكمامة وهي محرمة؟.. الإفتاء تجيب
أكدت دار الإفتاء أنه لا مانع شرعًا من أن تضع المرأة كمامة طبيةعلى وجهها للتحرُّز من العدوى حال كونها مُحْرِمَةً بالعمرة أو الحج، ولا فدية عليها في ذلك، لأن الكمامة الطبية ليست من النقاب أو غطاء الوجه المنهي عنهما في الإحرام؛ إذ إنها لم تُعَدَّ في الأصل لستر الوجه
مفهوم الكمامة
الكمامة في اللغة: من مادة (كمم)، يُقال: كَمَمْتُ الشيء أي: غَطَّيته، وكَمَّ الشيءَ يَكُمُّه كَمًّا: طَيَّنَهُ وَسَدَّهُ، قال الراجز: “بَلْ لَوْ رأَيتَ الناسَ إِذ تُكُمُّوا.. بِغُمَّةٍ؛ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا” قيل: أراد تكمموا مِن كممت الشيء إذا سترته، وقال الأصمعي: كممت رأس الدن أي: سددته، والكمامة: شيءٌ يُسَدُّ به فم البعير والفرس لئلا يعض؛ كما في “لسان العرب” لجمال الدين بن منظور (12/ 527، ط. دار صادر).
والكمامة الطبية: عبارة عن غطاء للأنف والفم، مصنوع من مادة طبية تمنع نفاذ ما يخرجه الإنسان من رذاذ أو هواء محمل بالفيروسات أو ما من شأنه نقل العدوى بين الأفراد، وهي وسيلة من الوسائل التي أقرتها الجهات الصحية حول العالم للوقاية من الفيروسات والأمراض المعدية التي يتم تناقلها عبر الجهاز التنفسي والحد من انتشارها؛ كوباء كورونا كوفيد 19، كما أفادت بذلك منظمة الصحة العالمية في بيانها الرسمي الصادر في 5 يونيو 2020م، بعنوان: “نصائح بشأن استخدام الكمامات في سياق جائحة كوفيد 19”.
حكم ستر المرأة المحرمة لوجهها
تواردت النصوص الشرعية على أنَّ ستر المرأة المحرمة وجهها بالنقاب أو نحوه مِن محظورات الإحرام؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» أخرجه الإمام البخاري في “الصحيح”.
قال شهاب الدين القسطلاني في “إرشاد الساري” عند شرحه لهذا الحديث (3/ 311، ط. الأميرية):
[فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر مخيطًا كان أو غيره، إلا وجهها؛ فإنه حرام، كذا سَتْرُ الكفَّين بقفازين أو أحدِهما بأحدِهما؛ لأن القفازين ملبوس عضو ليس بعورة، فأشبه خف الرجل، ويجوز سترهما بغيرهما؛ كَكُمٍّ وخرقةٍ لَفَّتْهَا عليهما؛ للحاجة إليه ومشقة الاحتراز عنه] اهـ.
وقال الأمير الصنعاني في “التحبير لإيضاح معاني التيسير” (3/ 212، ط. مكتبة الرشد):
[قوله: “ولا تنتقب المرأة” أي: المحرمة، أي: لا تجعل النقاب على وجهها، والنقاب: الخمار الذي يسدل على الوجه أو تحت المحاجر، والمراد: نهيها عن لبس النقاب، وأما لغيره مما يستر الوجه: فتفعله] اهـ.
وقال في “سبل السلام” (1/ 619، ط. دار الحديث):
[والذي يحرم عليها في الأحاديث: الانتقاب؛ أي: لبس النقاب، كما يحرم لبس الرجل القميص والخفين فيحرم عليها النقاب، ومثله البرقع وهو الذي فصل على قدر ستر الوجه؛ لأنه الذي ورد به النص كما ورد بالنهي عن القميص للرجل مع جواز ستر الرجل لبدنه بغيره اتفاقًا، فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر كالخمار والثوب، ومَن قال: إن وجهها كرأس الرجل المحرم لا يغطَّى شيءٌ: فلا دليل معه] اهـ.
والنقاب: هو ما تلبسه المرأة بقصد تغطية وجهها؛ بحيث تبدو منه محاجر العين، ويكون على منخر الأنف؛ كما في “غريب الحديث” للعلامة أبي عبيد الهروي (5/ 514، ط. الأميرية)، و”لسان العرب” للعلامة ابن منظور (1/ 768، ط. دار صادر)، و”التوشيح” للحافظ السيوطي (4/ 1386، ط. مكتبة الرشد).
وقد ذهب جمهور الفقهاء؛ من الشافعية، والحنابلة: إلى أن المحظور في إحرام المرأة بشأن وجهها هو تغطيته بِمَخِيطٍ أو بما وُضِعَ وأُعِدَّ لِسَتْرِهِ قصدًا؛ كالنقاب والبرقع؛ للحديث السابق، ولأنَّ “القاعدة المعتبرة: اجتناب زيٍّ مخصوصٍ، وذاك يختص بالملابس المعتادة.. أما اتخاذ شيءٍ على هيئةِ خريطةٍ وسترِ عُضوٍ به؛ فليس سترًا على زِيٍّ مخصوص، وليس ملبوسًا مقصودًا”؛ كما قال إمام الحرمين الجويني في “نهاية المطلب” (4/ 274، ط. دار المنهاج)، فإذا غطَّته بما لم يُعَدَّ لستر الوجه ولم يكن مِن المخيط؛ جاز لها ذلك، ولم تلزمها الفدية، وهو ما عليه الفتوى.
قال العلامة ابن الرفعة الشافعي في “كفاية النبيه” (7/ 244، ط. دار الكتب العلمية):
[وفي “تعليق” القاضي أبي الطيب: أنه لا فدية عليها قولًا واحدًا؛ لأنَّا لو أوجبنا الفدية عليها لأوجبناها بالخضاب بما يستر يديها، ولأن الْخِرَقَ ليست معمولةً على قدر العضو؛ فأشبهت كُمَّيْهَا تغطي بهما يديها] اهـ.
وقال العلامة البجيرمي الشافعي في “حاشيته على شرح المنهج” (2/ 148، ط. الحلبي):
[(و) حرم به (على امرأة) حرة أو غيرها (ستر بعض وجهها) بما يُعَدّ ساترًا] اهـ.
وقال العلامة المليباري الهندي الشافعي في “فتح المعين” (ص: 300، ط. دار ابن حزم):
[ويَحْرُمُ سَتْرُ امرأةٍ، لا رجلٍ، بعضَ وجهٍ بما يُعَدُّ ساترًا] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في “المغني” (3/ 302، ط. مكتبة القاهرة):
[وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما ممَّا يُعَدُّ لستر الوجه] اهـ.
وقال علاء الدين المرداوي الحنبلي في “الإنصاف” (3/ 466، ط. دار إحياء التراث):
[شمل قوله: (لبس المخيط) ما عُمِلَ على قَدْرِ العضو، وهذا إجماعٌ ولو كان درعًا منسوجًا أو لبدًا معقودًا ونحو ذلك. قال جماعة: بما عُمِلَ على قَدْرِه وقُصِدَ به] اهـ



