عاجل

ما حكم رد النكاح لعدم ثبوت البكارة.. وحكم عمل زفة لإثبات العذرية؟

الزفة
الزفة

أوضحت دار الإفتاء أن عمل زفة للاحتفال بثبوت عذرية الفتاة بعد الكشف الطبي عليها مخالف للمسلك الأخلاقي النبوي، والعذرية لا ترقى إلى عدِّها قرينة على ثبوت عفة المرأة ولا نفيها، فمن المقرر شرعًا أن غشاء البكارة قد يزول بسبب اندفاع دم الحيض أو الركوب على شيء حاد أو نحو ذلك، وعَدَمُها ليس عيبًا يفسخ به النكاح، والدليل على شرف الإنسان وعفته: أخلاقُه وتقواه وسلوكه الحسن بين الناس

بيان المراد بمصطلح العذرية

العذرية مصطلح يُطلَق ويراد به في الأغلب: عدم ممارسة المرأة الجماع من قبل، وتثبت العذرية في زعم العامة بالاختبار والتحقق من وجود غشاء بكارة سليم، على التوهم الشائع من أنَّ غشاء البكارة لا يمكن أن يتمزق إلا نتيجة ممارسة الجماع.

نصوص فقهاء المذاهب على أن غشاء البكارة قد يذهب بغير الجماع

المقرر في الفقه الإسلامي أنَّ البكارة – وهي أعم من العذرية – أمر اعتباري لا حسي؛ فهو لا يرتبط ارتباطًا عضويًّا بوجود غشاء العُذْرة؛ إذ قد يزول غشاء العُذْرة وتظل البنت بكرًا حقيقةً وحكمًا، كما إذا زال بغير الوطء؛ بوثبة، أو حِدَّة حيض، ونحو ذلك، وبذلك وردت الآثار عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين.

روى سعيد بن منصور في سننه واللفظ له، وابن أبي شيبة في المصنف:

أنَّ رجلًا تزوَّج امرأةً فلم يجدها عذراء، كانت الحيضة أحرقت عذرتها، فأرسلت إليه عائشة رضي الله عنها:

«أنَّ الحيضة تُذْهِبُ العُذْرَةَ يقينًا».

ولفظ ابن أبي شيبة:

«إنَّ العُذْرَةَ تذهب من الوثبة والحيضة والوضوء».

وروى عبد الرزاق – واللفظ له – وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن عطاء رحمه الله فيمن قال لامرأته: لم أجدك عذراء، ولا أقول ذلك من زنا، فلا يُجلد، لم يجلد عمر:

«زعموا أنَّ العُذْرَةَ تُذْهِبُها الوضوء وأشباهه».ورويا في مصنفيهما عن الحسن البصري:

أنه سُئل في الرجل يقول لامرأته: لم أجدك عذراء، قال:

«لا شيء عليه، العُذْرَةُ تُذْهِبُها الحيضة والوثبة».

ورويا في مصنفيهما، وكذا سعيد بن منصور في سننه، عن إبراهيم النخعي:

أنه سُئل في رجل دخل بامرأته فقال: لم أجدها عذراء، قال:

«ليس عليه شيء، العُذْرَةُ تُذْهِبُها الوثبة، والحِمْلُ الثقيل».

وقد ورد نحو ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر، والشعبي، وسليمان بن يسار، وطاوس رحمهم الله تعالى.

نصوص المذاهب الفقهية المتبوعة

نصّ على ذلك أصحاب المذاهب الأربعة:

مذهب الحنفية

قال العلامة شيخي زاده الحنفي في مجمع الأنهر (1/334):[(ومن زالت بكارتها) أي: عذرتها… (بوثبة، أو حيضة، أو جراحة، أو تعنيس)… (فهي بكر) حقيقة… ولا تكون عذراء] اهـ.

وقال الإمام البابرتي الحنفي في شرح الهداية (3/270):[(وإذا زالت البكارة بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس فهي في حكم الأبكار)…] اهـ.

مذهب المالكية

قال العلامة الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (2/281):[البكر عند الفقهاء: هي التي لم توطأ… وأما العذراء: فهي التي لم تزل بكارتها… فهي أعم من العذراء] اهـ.

مذهب الشافعية

قال العلامة البجيرمي في تحفة الحبيب (3/361):

[وفي معنى البكر: من زالت بكارتها بنحو حيض…] اهـ.

مذهب الحنابلة

جاء في الإقناع وكشاف القناع (5/47):[(وزوال البكارة بأصبع، أو وثبة، أو شدة حيضة… لا يغير صفة الإذن)…] اهـ.
 

حكم رد النكاح لعدم ثبوت البكارة

المعمول به إفتاءً وقضاءً أنَّ زوال العذرية – أي زوال غشاء البكارة – ليس عيبًا يُرد به عقد النكاح، كما هو مذهب الحنفية، حتى لو اشترط الزوج البكارة في العقد، وهو رواية عن الإمام أحمد.

قال الإمام السرخسي في المبسوط (5/95):[ولا يرد الرجل امرأته عن عيب بها…] اهـ.

وقال أيضًا (5/97):[كذلك لو شرط الجمال والبكارة فوجدها بخلاف ذلك لا يثبت له الخيار] اهـ.

وقال الإمام الموصلي في الاختيار (3/93):[ولو تزوجها على أنها بكر فوجدها ثيبًا يجب جميع المهر] اهـ.

وقال ابن قدامة في المغني (7/72):[فإن شرطها بكرًا فبانت ثيبًا… لا خيار له] اهـ.

وهو ما جرى عليه قضاء محكمة النقض (الطعن رقم 760 لسنة 67 ق – جلسة 9/2/2002م):

[المقرر شرعًا أن الزوج ليس له خيار الفسخ…] اهـ.

العذرية ليست دليلًا على شرف الفتاة وعفتها

من الناحية الأخلاقية: لا يُعد وجود غشاء البكارة دليلًا على تمام العفة أو عدمها؛ إذ قد يزول لأسباب غير الجماع، كما أن منظومة الأخلاق الإسلامية لا تُقاس بمثل هذه الأمور الحسية.

وقد دعا الشرع إلى الستر وحسن الظن، قال النبي ﷺ:

«إنَّ الله حييٌّ ستيرٌ يحب الحياء والستر»

وقال ﷺ:

«من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (متفق عليه)
وعمل الزفة المذكورة للاحتفال بثبوت عذرية الفتاة بعد الكشف الطبي عليها مخالف للمنهج النبوي الآمر بالستر وصيانة الخصوصية

تم نسخ الرابط