عاجل

الأوقاف تستعرض مقالا للراحل حمدي زقزوق حول التصوف الإسلامي وتجلياته الروحية

جوهر التصوف
جوهر التصوف

استعرضت وارة الأوقاف عبر منصتها الرسمية مقالا للدكتور حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، أكد فيه  أن التصوف الإسلامي يعد من أكثر الظواهر الدينية والروحية تعقيدًا وثراءً في تاريخ الفكر الإسلامي، ليس فقط بسبب عمقه التجريبي، وإنما كذلك بسبب تعدد تعريفاته وتنوع زوايا النظر إليه, فالتصوف، كما يراه زقزوق، لم يحظَ يومًا بتعريف واحد جامع متفق عليه، لا بين الصوفية أنفسهم ولا بين الدارسين لتراثهم، إذ تجاوز عدد تعريفاته المائة تعريف، وكل تعريف منها يعكس حالة روحية خاصة، أو تجربة ذاتية، أو زاوية نظر ارتبطت بصوفي بعينه أو بمرحلة من مراحل سيره وسلوكه.

التجربة الصوفية

ويشير زقزوق إلى أن هذا التعدد لا ينبغي أن يُفهم على أنه اضطراب أو تناقض في المفهوم، بل هو انعكاس طبيعي لطبيعة التجربة الصوفية ذاتها، وهي تجربة ذوقية وجدانية تتلون بأحوال أصحابها. فالصوفي – كما عبر أبو نصر الطوسي – «يتكلم من حيث وقته، ويجيب من حيث حاله، ويشير من حيث وجده»، وهو معنى أكده الإمام الغزالي حين أوضح أن الصوفية لا يتحدثون عن حقائق مجردة، بل يعبرون عن حالات روحية راهنة تفرض لغتها وتحدد أفق التعبير عنها.

و يلفت زقزوق إلى أن الإمام الغزالي قد حسم كثيرًا من الجدل حين قرر أن اختلاف أقوال الصوفية راجع إلى اختلاف أحوالهم، لا إلى تناقض مقاصدهم، فكل صوفي إنما يصف ما يعيشه في لحظة مخصوصة من لحظات القرب أو السلوك، وهو ما يجعل فهم التصوف متعذرًا إذا جُرِّد من سياقه الروحي والذوقي.

وقبل الخوض في أبرز تعريفات التصوف واتجاهاته، يتوقف زقزوق عند الجدل الواسع الذي دار حول الأصل اللغوي لكلمة “صوفي” أو “تصوف”، وهو جدل قديم استغرق جهدا كبيرا من الباحثين. فقد ذهب فريق إلى أن الكلمة مشتقة من الصفاء، بما يحمله من دلالة على نقاء القلب وتطهير الباطن، وذهب آخرون إلى اشتقاقها من الصف، باعتبار الصوفي في الصف الأول من حيث القرب الروحي من الله، بينما ربطها فريق ثالث بأهل الصُّفّة، وهم فقراء الصحابة الذين عاشوا حياة زهد وعبادة في صدر الإسلام.

ويرى زقزوق أن هذه الاشتقاقات، على ما تحمله من معانٍ رمزية، لا تستقيم جميعها من الناحية اللغوية الصارمة، وهو ما دفع غالبية الباحثين قديمًا وحديثًا إلى ترجيح نسبة كلمة “صوفي” إلى “الصوف”، باعتباره لباس الزهاد والمتنسكين في القرون الإسلامية الأولى. ويستشهد في ذلك بقول أبي نصر السراج، صاحب أقدم كتاب معروف في التصوف، الذي ربط التسمية بظاهر اللباس، لا بوصفه جوهر التصوف، وإنما باعتباره رمزًا لحياة الزهد والتقشف التي كانت سمة الأنبياء والمتعبدين.

ويشدد زقزوق على أن نسبة التصوف إلى الصوف لا تعني اختزاله في المظاهر أو الأشكال، فالتصوف في جوهره مضمون روحي وأخلاقي، لا طقوس شكلية، وأن العبرة في كل تعريفاته إنما تكمن فيما ينطوي عليه من معانٍ تتجاوز الظاهر إلى الباطن.

وانطلاقًا من هذا الفهم، يرى زقزوق أن تعريفات التصوف – على كثرتها وتنوعها – يمكن ردّها في مجملها إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة شكّلت البنية العامة للفكر الصوفي عبر العصور.

الاتجاه الأول: الاتجاه الأخلاقي
وفيه يُنظر إلى التصوف بوصفه سعيًا دؤوبًا نحو تزكية النفس والسمو الخلقي، حتى ذهب بعض الصوفية إلى اعتبار التصوف مرادفًا للأخلاق. وقد عبّر عن هذا الاتجاه عدد من كبار المتصوفة الذين رأوا أن التفاضل الحقيقي بين الناس إنما يكون بقدر ما يتحقق فيهم من مكارم الأخلاق، وأن التصوف ليس علمًا يُتلقّى ولا رسومًا تُؤدّى، بل هو تخلق بأخلاق الله. غير أن زقزوق يلفت إلى أن هذا التعريف، على أهميته، يظل قاصرًا عن الإحاطة بحقيقة التصوف، لأن الأخلاق وحدها، مهما بلغت ذروتها، لا تكفي لجعل صاحبها صوفيًا بالمعنى الدقيق.

الاتجاه الثاني: الاتجاه الزهدي
وهو اتجاه واسع الانتشار في الوعي العام، حيث يُختزل التصوف في الزهد في الدنيا وقطع التعلّق بها. ويقر زقزوق بأن الزهد عنصر أصيل في التجربة الصوفية، لكنه يميّز بوضوح بين زهد المتصوف وزهد غيره، فزهد الصوفي ليس طلبًا للآخرة في مقابل الدنيا، وإنما تنزّهًا عن كل ما يشغل القلب عن الله. ومن هنا، فليس كل زاهد صوفيًا، وإن كان كل صوفي لا بد أن يمر بمرحلة من الزهد.

الاتجاه الثالث: الاتجاه التعبدي العرفاني

وهو الاتجاه الأعمق والأكثر تعبيرًا عن جوهر التصوف، حيث تكون العبادة خالصة لله لذاته، لا طمعًا في ثواب ولا خوفًا من عقاب. وفي هذا الإطار، يبرز مفهوم المعرفة القلبية أو العرفان، الذي يجعل الصوفي في حالة دائمة من الحضور مع الله، والشوق إليه، والفناء في محبته. وهنا يميّز زقزوق بين العابد والصوفي، فالعابد يكثر من الطاعة، أما الصوفي فينصرف بكليته إلى الله، حتى تصبح العبادة وسيلة لا غاية.

وعن نشأة التصوف الإسلامي، يرفض زقزوق بشدة المحاولات التي سعت إلى رده إلى أصول غير إسلامية، سواء فارسية أو هندية أو مسيحية، معتبرًا أن هذه الرؤى تنطلق من تصور مسبق ينكر على الإسلام قدرته الذاتية على إنتاج حياة روحية عميقة. ويؤكد أن التصوف نشأ من صميم القرآن والسنة، ومن التجربة الدينية الأولى للمسلمين، التي اتسمت بالزهد والخشوع والخوف من الله.

ويبين زقزوق أن التصوف مرّ بمرحلتين أساسيتين: الأولى هي مرحلة الزهد في القرنين الأولين، حيث لم يكن هناك تنظيم أو مصطلح خاص، بل كان الزهد سلوكًا عامًا. والثانية بدأت مع القرن الثالث الهجري، حين تبلورت مفاهيم التصوف، وظهرت مصطلحاته، وتكونت مدارسه، واتخذ لنفسه لغة رمزية خاصة.

كما يشير إلى أن التصوف عرف لاحقًا تيارين بارزين: تصوفًا سنيًا ملتزمًا بالكتاب والسنة، وتصوفًا فلسفيًا تأثر بمناهج عقلية وفلسفية، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. وكان للإمام الغزالي دور محوري في تثبيت دعائم التصوف السني، وردّه إلى أصوله الشرعية، ورفع ما أُثير حوله من شبهات.

ويخلص الدكتور حمدي زقزوق إلى أن التصوف الإسلامي ليس انعزالًا عن الحياة، ولا انسحابًا من المجتمع، بل هو مسار تربوي وأخلاقي وروحي يهدف إلى بناء الإنسان من الداخل، وأن اختلاف تعريفاته واتجاهاته إنما يعكس ثراء التجربة الصوفية واتساع آفاقها، ما دام الهدف واحدًا: تحقيق القرب من الله، وتهذيب النفس، والسمو بالإنسان روحيًا وأخلاقيًا.

تم نسخ الرابط